المطلب الثاني: مدارس الصياغة في العقود في ميدان صياغة العقود القانونية يمكن القول - بوجه عام - إن هناك عدة اتجاهات أو مدارس فكرية متباينة تختلف فيما بينها من حيث الأساليب الفنية والمناهج المتبعة في إعداد وصياغة النصوص التعاقدية. وقدتطورت هذه المدارس عبر الزمن استنادا إلى خلفيات قانونية وثقافية متنوعة. كما تأثرت بعوامل مثل النظام القانوني السائد (أنجلوساكسوني أو لاتيني). كما تأثرت صياغة العقود بالممارسات القضائية واحتياجات السوق التجاري والاقتصادي. ومن بين هذه المدارس برزت عدد من الاتجاهات الرئيسية التي تعد الأكثر تأثيرا وانتشارا في مجال الصياغة. والتي يتميز كل منها بسمات وخصائص خاصة تنعكس على بنية العقد ولغته ومضمونه. الفرع الأول: مدرسة التوسع في الصياغة 12 تعرف أيضا بالمدرسة التقليدية الكلاسيكية. إذ تعتمد هذه المدرسة على أسلوب الصياغة المطولة والدقيقة. وتولي أهمية كبرى لتفصيل الالتزامات والشروط والآثار القانونية بشكل شامل حيث تستخدم هذه المدرسة في الصياغة لغة تقسم أحيانًا بالتكرار والمبالغة في الحذر تحسبا لأي تأويل غير مرغوب فيه. وتعد هذه المدرسة شائعة في الدول التي تتبع النظام الأنجلوساكسوني مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة حيث يترك تفسير العقود في الغالب للقضاء، ما يدفع الأطراف إلى الإطناب في النصوص ضمانا للوضوح والتحديد. الفرع الثاني: مدرسة التضييق في الصياغة وتسمى أيضا الصياغة الجامدة، حيث تنطلق هذه المدرسة من مبدأ أساسه أن العقد ينبغي ألا يحتوي إلا على ما هو ضروري ومباشر الصلة بموضوعه دون الدخول في تفاصيل زائدة لا تقتضيها الحاجة. وتمثل هذه الرؤية المدرسة اللاتينية كما هو الحال في فرنسا وسائر دول التي تستند للقانون المدني، ويقوم هذا التوجه على مبدأ الحد من الشروط التعاقدية بقدر الإمكان، بحيث لا يجوز لأي من الطرفين أن يدرج في العقد شروطا تخرج عن طبيعته أو تتعارض مع مقصوده. كما لا يسمح له بإضافة ما من شأنه تقييد الطرف الآخر بما لا يقتضيه العقد نفسه. ومنه في هذه المدرسة ليس هناك الحاجة إلى الإسهاب في العقد نفسه وتركز هذه المدرسة على هيكل منطقي متماسك للعقد، مع الاعتماد على مفاهيم قانونية محددة ومستقرة، وغالبا ما تكون الصياغة موجزة نسبيا مقارنة بالمدرسة التقليدية نظراً لاعتمادها على تفسير النصوص في ضوء القواعد العامة للقانون المدني الفرع الثالث: مدرسة الوسطية في الصياغة تقوم هذه المدرسة على مبدأ تحقيق توازن دقيق في الصياغة التعاقدية، بحيث تحفظ الحقوق دون الدخول في تفصيل مفرط يثقل العقد. ودون اختزال مخل يعرضه للقصور أو يغفل نقاطاً جوهرية. وتجسد هذا الاتجاه عدة دول تتبع النهج اللاتيني حيث رأت أن الأفضلية تكمن في التوسط بين الإفراط في الشرح والتقصير في البيانفاتجهت إلى اعتماد صياغة معتدلة تتسع - بقدر محسوب - للاحتمالات العملية التي قد تواجه تنفيذ العقد مستقبلاً. 13 الفرع الرابع مسلك المشرع الجزائري في تحرير العقود يلاحظ أن المشرع الجزائري قد انتهج اتجاها وسطاً بين مدرسة التوسع ومدرسة التضييق في تحرير العقود. حيث حاول التوفيق بين مبدأ سلطان الإرادة من جهة، ومتطلبات النظام العام والكتابة الرسمية من جهة أخرى. فالأصل في القانون المدني الجزائري، وفقاً للمادة 54 وما يليها . أي يمكن للأطراف أن يكون لهم الحرية في إنشاء أي نوع من العقود يرغبون فيه وتحديد آثارها طالما لا تخالف النظام العام والآداب العامة، وهو ما يعبر عن تأثر المشرع بمدرسة التوسع التي تعطي الإرادة مكانة محورية غير أن المشرع في الوقت نفسه قيد هذه الحرية في عدة مجالات الحماية المصلحة العامة وضمان استقرار المعاملات، وذلك من خلال إلزام بعض العقود بالكتابة الرسمية مثل عقود البيع العقاري والإيجار وعقود الشركات مما يظهر تأثره بمدرسة التضييق التي تعطي الشكلية دوراً في تحقيق الأمن القانوني. كما اعتمد في بعض القطاعات الاقتصادية على العقود النموذجية خاصة في مجالات التأمين، حيث تكون الشروط محددة مسبقاً من طرف الإدارة أو المؤسسات الكبرى مما يحد من حرية التفاوض الفردية. وعليه يمكن القول إن المشرع الجزائري لم يأخذ بتوسع مطلق ولا بتضييق صارم. بل تبقى منهجاً توفيقياً يوازن بين الحرية التعاقدية والحماية القانونية،