ولعل ما انتهى إليه (جوناثان كولر) يثير تساؤلات عدّة في ذهن القارئ: أولاها ما الأسباب التي دفعت دراسي النقد إلى هذا التحول الكبير في الاشتغال النقدي؟ وما هي علاقة النقد الأدبي (الأكاديمي) بالدراسات الثقافية؟ وهل يشهد النقد الأدبي اليوم أزمة حقيقية آلت به إلى هذا التحول الكبير؟ حقيقة لا يمكن الإجابة عن تلك التساؤلات المحورية بمعزلٍ عن سياقاتها الاجتماعية والثقافية، إذ إن التطورات التكنولوجية التي صاحبت التقدم العلمي أو ترتبت عليه فرضت نمط إنتاجياً رأسمالياً أكثر احتكاراً وتوحشاً أدى في نهاية الأمر إلى سيطرة الطبقات ذات السلطة أو القوة أو الهيمنة على آليات التكنولوجيا بعد أن تحولت التكنولوجيا إلى رأسمال جديد، ومن أهم هذه الوسائل هي آليات التكنولوجيا ووسائل الإعلام ومن هذا المنطلق يقول (أدورنو): "إن منطق التكنولوجي هو منطق الهيمنة ذاتها . منطق حوّل صناعة الثقافة إلى مجرد إنتاج جماعي موحد المقاييس "(3). إذ يقول "لقد اتفق النقاد اليساريون عامة على اختلافاتهم المهنية والسياسية على عدم كفاية مؤسسة الدراسات الأدبية الأكاديمية والحاجة إلى التغيير. فقد ساد إجماع من الستينيات وإلى الثمانينيات بين نقاد الأدب اليساريين على ضرورة توسيع نطاق البحث النقدي وضرورة توسيع مفهوم الأدب . وقد دعت كل هذه الاتجاهات إلى ربط السياسة بالنقد وإعادة تعريف الأدب "(4). - ثالثاً توسيع مفهوم الأدب ليشمل فئات مهمشة مثل أدب الطبقة العاملة والنصوص النسائية والأدب الشعبي. وهي تشمل التاريخية الجديدة والنقد الثقافي وكل من الدراسات الثقافية والدراسات ما بعد الكولونيالية والنسوية ودراسات الجنوسة، وهي من جهة أخرى تعبر عن محدودية النظرة الجمالية وتنطلق من هاجس أساسي، وهو مواجهة آليات الهيمنة والتنميط وكل أشكال الإخضاع، والسياسة التي يرتبط بها تعبر عن موقف اليسار العالمي في رفضه للتحولات الثقافية التي واكبت سيطرة اقتصاد السوق وقيم الاستهلاك على الثقافة الشعبية (6). فهي ملتزمة بمعنى أنها تتخذ موقفاً سياسياً ونقدياً بخصوص ما تلاحظه من مظالم وأضرار خاصة تجاه الضعفاء والمهمشين وهي ملتزمة من حيث إنها تعزز التجارب الثقافية وتحتفي بها من خلال تحليل دعائمها الاجتماعية وكذلك من خلال عدها للثقافة جزءاً من الحياة اليومية باختصار الالتزام هنا يعني محاولة الانغماس في العالم وقضاياه (7). لقد أثار النقد الثقافي تساؤلات واسعة في مجال الدراسات النقدية، فقد عمل على بناء تصور منهجي جديد تمثل بالاهتمام بالأنساق والنظم الثقافية المضمرة واللاواعية في الخطت الثقافية الأدبية. فالنص هنا ليس بنيةً جمالية فنية وحسب، بل هوذو طابع رمزي يحمل دلالات ثقافية وسياسية واجتماعية وإيديولوجية، ولعل أول ما يوجهنا في تعريفنا لمصطلح النقد الثقافي (Cultural criticism) هو تمييزه عن كل من مصطلحي الدراسات الثقافية ((Cultural studies من جهة، فمصطلح نقد الثقافة هو مصطلح عام يشير إلى مختلف الأبحاث التي كُتبت في إطار التحليل والدرس الثقافي من ذلك الأبحاث التي عرضت لقضايا الفكر والمجتمع والثقافة عامة التي لا يجمعها سوى موضوع (الثقافة) بدلالته الواسعة. وهذا يرتبط إلى حد كبير بنشأة النقد الثقافي الذي يُعدُّ أحد التطورات التي شهدتها الدراسات الثقافية بانتقالها إلى النظريات (ما بعد البنيوية). فإذا ما أردنا أن نعود إلى بداية تأسيس الدراسات الثقافية فهي تعود إلى ستينيات القرن العشرين تحديداً عام (1964) بتأسيس مركز (برمنجهام للدراسات الثقافية المعاصرة) في بريطانيا على يد (ريتشارد هوغارت) و(ريموند ويليامز)، وقد ارتبط بقضايا الطبقة العاملة في بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية، ثم شهد تطورات وتحولات عديدة بدأت بالنزعة الثقافية في عقد الستينيات التي تم فيها الربط الوثيق بين الثقافة والمجتمع واستندت أساساً على النظرية الماركسية ثم انتقلت بعد ذلك إلى مرحلة البنيوية التي سادت وجمعت بين الماركسية- البنيوية أوالبنيوية الماركسية ولاسيما أفكار (ليو ألتوسير) و(أنطونيو غرامشي) وغيرهما، ثم انتقلت إلى مرحلة ما بعد البنيوية والمادية الثقافية اللتين سادتا الدرس الثقافي والنقد الثقافي منذ عقد الثمانينيات وفي هذه المرحلة بالتحديد ظهر مصطلح النقد الثقافي(9). لذلك يعد الظهور الفعلي والحقيقي للنقد الثقافي في (ثمانيات القرن العشرين) ولاسيما في الولايات المتحدة الأمريكية مع ظهور مجلة (النقد الثقافي) التي كانت تصدر في جامعة (مينيسوتا) في شتى مجالات الثقافية. وبعد ذلك بدأ النقد الثقافي يدرَّس في معظم جامعات الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت تعتني بالعلوم الإنسانية (10). فالنقد الثقافي كما يؤكد (ليتش) "لا يتطلب التحليل النصوصي وحده وإنما كذلك البحث في الأسس الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والمؤسسية والتاريخية للإنتاج والتوزيع والاستهلاك الثقافي". وبذلك أصبح النص الأدبي ظاهرة ثقافية مفتوحة للتحليل من وجهات نظر عديدة وهذا يرتبط بطبيعة الثقافة، 1-لا يؤطر النقد الثقافي فعله تحت إطار التنصيف المؤسساتي للنص الجمالي بل ينفتح على مجال عريض من الاهتمامات إلى ما هو غير محسوب في حساب المؤسسة النقدية. فالنقد المؤسساتي يشكل جانباً مهماً من مشروع النقد الثقافي، وكلاهما مثبت بعلاقات القوة الكامنة فيهما"(13). 2-يعتمد النقد الثقافي على نقد الثقافة وتحليل النشاط المؤسساتي بالإضافة إلى اعتماده على المناهج الأدبية مثل تأويل النصوص ودراسة الخلفية التاريخية. فالنص هنا "ليس سوى مادة خام تستخدم لاستكشاف أنماط معينة من مثل الأنظمة السردية والإشكاليات الأيديولوجية وأنساق التمثيل، فالنقد الثقافي عند (ليتش) يعتمد على منهجية جينالوجية* لتعرية الخطابات بهدف تحصيل الأنساق الثقافية (النظم الثقافية المهيمنة) استكشافاً واستكناهاً متأثراً بجينالوجيا نيتشه وميشيل فوكو. وفي تحديده لطبيعة العلاقة بين النقد الأدبي والثقافي يشير ليتش إلى أنهما مختلفان، ولكنهما يشتركان في بعض الاهتمامات: بحيث يمكن لمثقفي الأدب أن يقوموا بالنقد الثقافي دون أن يتخلوا عن اهتماماتهم الأدبية غير أن المشكلة تكمن كما يرى (ليتش) في أن بعض المهتمين بالدراسات الثقافية يصرون على الفصل بينهما، فيقولون إن على النقد الثقافي أن يركز على الثقافة الشعبية والجماهيرية ويتخلى عن دراسة الأدب وما يتعلق به من خطاب ونظرية، والملاحظ هنا أن ليتش يتحدث عن الدراسات الثقافية والنقد الثقافي بوصفهما شيئاً واحداً في الأساس وهذا يعود لما أشرنا إليه سابقاً من التداخل المفهومي والاصطلاحي بين الدراسات الثقافية والنقد الثقافي (15). بل امتد إلى العالم كله ومنه العالم العربي خاصة في العقد الأخير من القرن العشرين وبداية هذا القرن. حيث تدرَّس بشكل أو بآخر في معظم الأنظمة الأكاديمية الوطنية. ويشكل هذا تحدياً فمن ناحية مع تعولم التخصص تزداد صعوبة أخذ أي سياق ثقافي كمعيار فما بالك بعده كونيا. إن آفاق الحوار والتبادل والبحث العلمي تتسع مما ينسجم كلياً مع توجه هذا التخصص"(16). ولعل هذا ما يثير تساؤلاً حول خصوصية وفاعلية النقد الثقافي في الخطاب النقدي العربي؟ النقد الثقافي في السياق العربي: نجد أنَّها تعود إلى العقد الأخير من القرن العشرين تحديداً مع رائد النقد الثقافي (عبد الله الغذامي) الذي سعى في كتابه التأسيسي (النقد الثقافي: قراءة في الأنساق العربية) إلى تخصيص مصطلح النقد الثقافي ليكون مصطلحاً قائماً على منهجية أدواتية وإجرائية، "النقد الثقافي فرع من فروع النقد النصوصي العام، ومن ثم فهوأحد علوم اللغة وحقول (الألسنية) معني بنقد الأنساق المضمرة التي ينطوي عليها الخطاب الثقافي بكل تجلياته وأنماطه وصيغه ما هوغير رسمي وغير مؤسساتي . وهذا التصور للنقد الثقافي يختلف إلى حد كبير مع المنطلق الأساسي للنقد الثقافي (الما بعد بنيوي) بوصفه فاعلية عَبَرَ منهجية تجسد العديد من الآليات المنهجية والاستراتيجيات النقدية وتوظف مختلف العلوم الإنسانية والاجتماعية ضمن شبكة علائقية في مقاربة الظاهرة الثقافية. ومن هذه التساؤلات سنشهد ولادة النقد الثقافي. وعبد الله الغذامي في تبنيه للنقد الثقافي ينطلق من نظرية (قيرتز) في الأنثروبولوجيا الرمزية وهي نظرية تقوم على الدراسة النصوصية للثقافة أي دراسة "الأنساق الثقافية من واقع النصوص أو الوثائق المحفوظة"(22)، نسجها بنفسه حول نفسه"(23) لذلك يؤكد أنَّ تحليل الثقافة "يجب أن لا يكون علماً تجريبياً يبحث عن قانون بل علماً تأويلياً يبحث عن معنى"(24)، ولكن الثقافة بمعناها الأنثربولوجي . بيد أننا نلحظ أن ولادة النقد الثقافي عربياً مع مشروعه وتلازمه به قد جاء حاملاً عللاً منهجية وإيديولوجية، فعلى مستوى تصوري عام تجد سمات رئيسة مهمينة على الخطاب النقدي الثقافي عربياً، - تغييب البعد السياسي من النقد الثقافي، فغدا أقرب إلى الدراسات الأكاديمية على النصوص الشعرية. - هيمنة التصورات الثقافوية على حساب التفسير المادي على منوال الطريقة الغذامية بافتراض (هيمنة الشعر العربي على بنى الاجتماعية والثقافية العربية). منها على سبيل التمثيل لا التخصيص مصطلح (النسق الثقافي)، - تضخم المادة الشعرية على وجه التخصيص (الشعر الجاهلي) على حساب الأجناس الأدبية الأخرى، والأهم على حساب الأدب الشعبي والثقافة الرقمية التي هي في الأساس مجال النقد الثقافي وفاعليته ورهانه.