رقدت الحياة في مدينة الشمس)*( و أطفئت السرج في المنازل المنتثرة حول الهياكل العظيمة القائمة بين أشجار الزيتون و الغار، وتنظر تيهاً و إعجاباً نحو بروج لبنان الجالسة في الوعر على جبهات الروابي البعيدة . في تلك الساعة المملوءة بسحر الهدوء الموحدة بين أرواح النيام و أحلم اللنهاية ، جاء ناثان ابن الكاهن حيرام ودخل هيكل عشتروت )**( حاملً مشعلً ، و بيد مرتجفة أنار المسارج و أوقد المباخر فتصاعدت روائح المر و اللبان ، ركع أمام المذبح المصفّح برقوق العاج و الذهب و رفع يديه و نظر نحو العلء و من عينيه الدموع تستدر و بصوت تخفضه الغصّات الليمة تقطعه اللوعة القاسية صرخ قائلً : " رحماك يا عشتروت العظيمة - رحماك يا ربّة الحبّ و الجمال ، ترأفي بي و أزيلي يد الموت عن حبيبتي التي اختارتها نفسي بمشيئتك. لقد نفسي حيّا بجانبي ، من وراء ظلمة هذا الليل استجير بحنانك . فاسمعيني أنا عبدك ناثان ابن الكاهن و مخيماً عليها بأجنحته السوداء ، مادّا مقابضه فارحميني و أبقيها زهرة لم تفرح بعد بجمال صيف الحياة ، أنقذيها من بين أظفار الموت فنبتهج مالئين بالخمر القديمة و الزيت المطيّب آنية خزائنك ، خلّصينا يا ربّة المعجزات و دعي المحبّة تغلب الموت ، و سكت دقيقة كانت فيها لوعته تسيل دموعاً و تتصاعد تنهّدا . فأحييني بالرأفة و أبقي لي حبيبـــتي !" . و دخل إذ ذاك عبد من عبيده و اقترب منه ببطء و همس في أذنه هذه الكلمات : " لقد فتحت عينيها يا سيّدي و نظرت حول مضجعها فلم ترك ثم نادتك بلجاجة فجئت لدعوك إليها " . فقام ناثان و مشى مسرعاً والعبد يتبعه . النحيلة بين يديه مقبّل شفتيها مراراً كأنه يريد أن ينفخ في جسدها السقيم حياة جديدة من حياته ، فحوّلت نحوه