لقد كان الأسلوب أسلوباً خطابياً موجزاً سيطرت عليه الحكم والأمثال، واستعمل فيه مرتد كثيراً من الكلمات اللغوية ؛ التي تسوقنا إلى المعاجم بحثاً عن عميق فنحن منذ السطر الأول من الخطبة نطالع في المعجم على التتالي: نشط، وورث وهكذا في بقية الأسطر إلى نهاية النص. وليس معنى هذا أننا نتهم النصّ بالغموض أو الجفاف، فالنص واضح بشكل إجمالي لولا هذا البعد عن المعاني اللغوية الأصيلة في تراثنا الأدبي . ونجد التراكيب متسلسلة متناسقة آخذ بعضها برقاب بعض، فأنت تقرأ فكرة ولا تكاد تنتهي منها حتى الفكرة التي تليها كقوله : (أنيب إلى السبيل الأرشد والمنهج الأقصد) فإذا به يهدّد ويبين خطورة عدم الالتزام بهذه الإنابة فيقول شارحاً ويلات هذه الحرب، ثمارها ومبيناً نتائجها : (فإن الحرب تقبل بزبرج الغرور ، وتدبر بالويل والثبور) وهو ويقصد بهذه المزاوجة بين الشعر والنثر زيادة وبلوغ الغاية من الإنذار والتحذير، وورد في النص كثير من الصور البلاغية والمحسنات البديعية، وأول ما يجبهنا ذلك السجع الذي ألزم به نفسه من أول النص من الشوارد) و (القواعد إلى آخره من (الغرور ) و ( الثبور). كما تميز النص بحسن التقسيم والموازنة في الجمل المتناسقة كقوله : (عفوا بالحلم / أبلاد الكلم)، و السبيل الأرشد / والمنهج الأقصد. وقد استعمل الكناية منذ بدأ خطبته في قوله : (لا) تنشطوا عقل الشوارد) كناية عن إطلاق الشرارة الأولى، وكذلك في قوله : (لا تلقحوا العون القواعد كناية عن ابتداء الحرب واستمراريتها وما تخلفه من حقد وانتقام يتكرر بين الفرقاء المرة تلو المرة؛ ليورّث الشكل واليتم والدمار. ونجد في قوله : (عفوا بالحلم أبلاد (الكلم كناية عن مداواة الجروح بالعفو والصفح، ثم إنه استعمل الاستعارة في قوله عن الحرب: إنها تقبل وتدبر) مشبهاً الحرب حذف المشبه به على سبيل الاستعارة المكنية. العون) استعارة تصريحية حيث شبه تكرار القتال أخذاً بالثأر المرة بعد المرة بالنياق تلقح المرة بعد المرة فتلد لكم ، وقد صرح بالمشبه به وهي العون والقواعد . ونجد نصيباً للمقابلة وذلك في قوله : الحرب حين تقبل بزبرج الغرور) ثم إنها تدبر بالويل والثبور) . وكان الحظ الأوفر لاستخدام الأساليب الإنشائية من نهي وأمر، وهو النهي في قوله : (لا تنشطوا عقل الشوارد)(۱) ثم تتابعت هذه وذلك في قوله: (ولا تلقحوا . لينتقل إلى نوع آخر من الإنشاء هو الأمر وذلك في قوله : (عفوا . )(۳) خرجت كلّها إلى النصح والإرشاد والوعظ والتنبيه، والأمر بأسلوب خبري أحد فيه بشاعة الحرب في إقبالها وإدبارها، وقد خرج عن معنى الإخبار إلى الترهيب والتحذير وبيان الآثام لما تخلفه الحروب من ويل ات وخراب ودمار. ثم ينتقل مرتد إلى تأكيد ما أورده نثراً ليصوغه نظماً مستخدماً البحر الطويل؛ الذي يبته آهاته تلك التي يخرجها من أعماق فؤاده، باعتباره البحر الوحيد الذي ويبدؤها بأداة الاستفتاح (ألا) مستعملاً أداة الاستفهام (هل) التي جاءت بمعنى والأسلوب خبري خرج إلى معنى الإنذار والتحذير وإقامة وفي البيت استعارة مكنية ، شبه النصيحة بشيء مادي يتداول ويبذل. لفظة (حبوت) أي : أعطيت النصيحة . وفي البيت الثاني أسلوب إنشائي في قوله : ( اعلما)(٢) أمر خرج إلى بيان مساوىء الحرب وما تخلفه من ويلات بقصد الابتعاد عنها. وفي قوله : (عواقبه) استعارة مكنية حيث شبه العواقب (أي : الأواخر) بعقب أو كعب كائن حي ، وهناك استعارة أخرى في قوله : غادرت) حيث شبه نهاية الحروب بكائن حي يغادر على سبيل الاستعارة المكنية . وفي البيت الثالث أسلوب إنشائي نهي خرج إلى النصح والإرشاد، من معنى التهديد والوعيد وهناك أسلوب إنشائي آخر جاء بصيغة الأمر (أبقيا)(٣) خرج إلى معنى النصح والإرشاد وفي البيت استعارتان مكنيتان الأولى في قوله : تقدحا زند (العقوق والأخرى في قوله : (الإبقاء على العزة القعساء من الهدم. والبيت كناية عن إشعال فتيل الحرب أي: البدء بها والتسبب بانتشارها . وفي البيت الرابع أسلوب إنشائي نهي خرج إلى النصح وا لتحذير لأنه قد جمع بين النصح الواضح في قوله : (تجر عليكما) (۱) والتحذير المتضمن معنى (النهي). وفي البيت استعارة في قوله : (تجنيا) شبه الحرب بثمار تجنى على سبيل الاستعارة وفي البيت الخامس : أسلوب خبري خرج إلى الحكمة (٢). وفيه أيضاً استعارة مكنية حيث شبه الحرب بالمرضع . وفي البيت السادس: أسلوب إنشائي في قوله : (حذار)(۳) خرج إلى العظة والتنبيه. وفي قوله : (لا) تستنبثوها أسلوب إنشائي نوعه نهي خرج إلى معنى النصح والإرشاد وفي قوله : (فإنها تغادر ذا الأنف الأشم مكشما)(٤) أسلوب خبري خرج إلى معنى إقامة الحجة وإجراء الحكمة وضرب المثل وفي قوله : (الأنف الأشم) كناية عن الرجل كريم الأصل، رفيع العماد وجيه بين الناس. وقوله: (المكشم) كناية عن الهزيمة الساحقة وإلحاق الذل به والعار. ويعود مرثد في نهاية الخطبة ليختمها بسجع جميل يقع في نفس السامع موقعاً حميداً معجباً، وذلك في قوله (نصحك وأمرك وبحسن التقسيم في قوله : (نقبل نصحك) و (نطيع أمرك) و (نطفىء الناثرة) و (نحل الضغائن) و (نثوب إلى السلم) . فالمتأمل في هذه الأفعال الخمسة : نقبل - ونطيع - ونطفىء - ونحل ـ ونثوب يجدها متفرعة من أصل معنوي واحد يدعو إلى السلم والإذعان والرضوخ وقبول الصلح والطاعة، وهي جمل خبرية خرجت بمضمونها إلى تحكيم الطاعة، ونبذ الأحقاد وتوطيد أواصر الصداقة والمودة بينهم . وفي قوله : نطفىء النائرة : استعارة تصريحية حيث شبه إخماد الحرب بإطفاء.