تمهید من الواضح انه إذا كان المصال عليه يستطيع التخلص من الخطر عن طريق فعل لا يؤذي أحدا، فإنه لا يباح له إتيان الفعل الذي يؤذي الصائل، إذ الفعل في هذا الفرض غير ضروري لدرء الصيال. واشتراط لزوم فعل الدفع ينطوي على شرطين: الأول: ثبوت أن المصال عليه لم يكن يستطيع التخلص من الخطر بغير الفعل الذي ارتكبه والثاني: ثبوت اتجاه فعل الدفاع إلى مصدر الخطر. ٣٢٧ كون المصال عليه لم يكن يستطيع التخلص من خطر الصيال بغير فعل الدفع الذي ارتكبه الأولى: هل استطاعة الاحتماء بالسلطات العامة في الوقت الملائم تحول نون الاحتجاج بدفع الصائل؟ 1) استطاعة الاحتماء بالسلطات العامة لدرء الخطر أن دفع الصائل له بطبيعته الصفة احتياطية، فقد شرع سبيلا الحماية المصال عليه مصلحته إذا كانت السلطات العامة لا تستطيع حمايته، وبناء علي ذلك، أو كان يستطيع الاحتماء ٢٦٠ بالسلطات العامة لحمايته، فلا يكون محل للالتجاء إلى طريق غير عادي لم يشرع ولا تتوافر عليه إلا عند الخلاق الطريق المعتاد. ولكن استطاعة الاحتماء بالسلطات العامة ليست حائلاً دون الاحتجاج بدفع الصائل إلا إذا كان ذلك الاحتماء ممكناً في الوقت المناسب، أي كانت ظروف الواقعة تسمح بذلك قبل وقوع الاعتداء بالفعل أي قبل بدئه، أما إذا كان الاحتماء بالسلطات غير متاح قبل وقوع الاعتداء، في كل نطاقه. إذا كان في وسع المهدد بالخطر أن يصون حقه عن طريق الهرب، ولكنه فضل الصمود ومواجهة الخطر بأفعال الدفع الملائمة، يدفع الصائل؟ فذهب رأي إلى وجوب هرب المصال عليه إذا كان من شأنه تفادي الخطر الذي يهدده، فإن فعل العنف يكون غير لازم، فإذا كان الهرب محققا در الخطر تعين الالتجاء إليه. لأنه صاحب حق في أن يدرأ الخطر الذي يتهدده، والأصل المقرر أنه لا يلزم صاحب حق بالنزول من حقه. و توسط رأي، فإذا كان الهرب مشينا فلا يلتزم به المصال عليه، وإنما يكون له أن يصمد ويصد الخطر الذي يهدده بالقوة اللازمة، وفق ما استقر في عرف أغلب الناس، ولا يجبر صاحب حق على النزول من حقه بالالتجاء إلى مملك يشينه، أما إذا كان الهرب غير مشين، تعين على المصال عليه الالتجاء إليه، لا لم يعد العنف الأزما، وهذا الرأي في تقديرنا أصبح الأراء. وترى توشيحا له أن نشير في أن مناط كون الهرب غير مشين أن تبرره اعتبارات تنفي دلالته على الجين، مثال ذلك أن يتعرض شخص لاعتداء صادر عن مجنون أو عن أب أو عن لم. ۲۲۸ اتجاه الفعل إلى مصدر الخطر لا محل لإباحة دفع الصائل إلا إذا وجه الفعل إلى مصدر الخطر كي يكفل التخلص منه، ووجه فعله إلى شخص أو شيء لا يصدر الخطر عنه، فلا وجه لإباحة فعله، فمن يهاجمه شخص لا يجوز له أن يوجه فعل دفاعه إلى غيره، ومن يهاجمه كلب لا يجوز له أن يترك الكلب ويوجه فعله إلى مالكه. ۲) تناسب فعل الدفع مع جسامة الخطر ۳۲۹- تمهيد: ومؤدى هذا الشرط أنه إذا كان في وضع المصال عليه أن يدرأ الخطر بفعل ذي جسامة معينة، ۳۳۰ - تطبيقات الاشتراط تناسب فعل الدفع مع حسامة الخطر : فليس له أن يضربه ضرباً شديدا، ذلك أن الحديدة آلة قتل، فلا يجوز استخدامها حيث تكفى آلة ليس من شأنها القتل. ۳۳۱ شرط التناسب عند محاولة الاعتداء على العرض من أهم تطبيقات شرط التناسب أن يحاول شخص الاعتداء على العرض كمن أراد اغتصاب امرأة فإن لها أو لأي شخص آخر عاين الواقعة أن ودفعه ٢٦٢ فالالتجاء الحمايته إلى أشد الوسائل يتحقق فيه التناسب دائماً، ومن قضاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شأن رجل استضاف أشخاصاً من هذيل، فقتلته، فللمصال عليه أن ينهاء من ذلك، فإذا لم ينته كان له دفعه بأيسر الوسائل التي من شأنها ذلك، فإذا لم يكف إلا بفق، عينه، كان له أن يحتج بدفع الصائل: ذلك أن الاطلاع على حرمة المسكن اعتداء خطير على حرمات الغير فمن حقه وهو في بيته أن يكون في مأمن من تجمس شخص عليه، وقد يكون بعض من في المسكن في وضع لا يحب أن يطلع عليه فيه شخص آخر. والحجة في هذا الرأي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أن امرأ اطلع عليك بغير لأن فحلقته بحصاة فللأت عينه لم يكن عليك جناح، وقوله عليه الصلاة والسلام الرجل اطلع عليه، وكان يحله رأسه بمدي: تو علمت أنك تنظر لعنت به في عينك إنما جعل الاستئذان من أجل البصر. وذهب الإمامان مالك وأبو حنيفة إلى أنه ليس لصاحب الدار أن ينقأ عين المطلع عليه لمجرد اطلاعه، ومؤدى ذلك أن تطبق القواعد العامة، وإذا لم يقصد كان عليه الدية (١٠). -۳۳۳ معيار التناسب ٢٦٣ الظروف التي أحاطت بالمصال عليه فالمعيار في أصفه موضوعي قوامه الشخص المعتاد، وفي تطبيق هذا المعيار يتعين على القاضي أن يضع نفسه موضع المصال عليه، ويتساءل عما إذا كان يرد الخطر بالفعل الذي التجأ إليه، أم كان يلجأ إلى أفعال أقل جسامة. ولكن هذا المعيار ليس موضوعياً خالصاً، إذ لا يجوز إعمال الظروف التي أحاطت بالمصال عليه، وجعلته يتصرف على النحو الذي تصرف به، وإنما يتعين افتراض الشخص المعتاد محاطاً بذات الظروف التي أحاطت بالمصال عليه، وهذه الظروف لا تقبل الحصرا فتتعلق على سبيل المثال بقوة المصال عليه البدنية، وسنه، وقد قال الإمام الكاماني في ذلك إن من قصد قتل إنسان لا ينهدر دمه بمجرد هذا القصد، ولكن ينظر إذا كان المشهور عليه، أي المصال عليه، يمكن نفعه عن نفسه بدون القتل لا يباح له القتل، وإن كان لا يمكنه الدفع إلا بالقتل يباح القتل، لأنه من ضرورات الدفع، إلا السلاح لا يلبث فكان القتل من ضرورات الدفع فيباح قتله، فإذا قتله فقد قتل شخصاً مباح الدم، فلا شيء عليه (٢٨) فإنه إذا كان المصال عليه أضعف من الصائل بننا، وإذا كان الصيال قد وقع في مكان متمر أو في الليل فإنه يباح للمصال عليه قدر من العنف يزيد عما لو كان قد دفع في مكان مأهول أو في النهار. وإذا كان الصيال قد أفقد المصال عليه اتزانه أبيح له قدر من العلف يزيد عما لو يقي محتفظا بهدوئه و اتزانه ويخلص من ذلك أنه إذا كان المصال عليه يقدر حقيقة جسامة الخطر، فإن التناسب بعد منتفياً. مثال ذلك أن يتعرض شخص لصيال بالضرب، وذلك مصداق قول الإمام الكاساني إن من قصد قتل إنسان لا ينهدر دمه بمجرد هذا القصد، ولكن ينظر إذا كان المشهور عليه يمكن دفعه عن نفسه بدون القتل لا يباح له القتل. ويدق تطبيق معيار التناسب إذا كان الصائلون جماعة من الناس، ولا مقر في هذا الفرض من الاحتكام إلى تقدير القاضي الذي يبني حكمه على ظروف كل واقعة. ونرى أنه يجدر بالقاضي أن يبيح للمصال عليه الفعل الذي يناسب أشد أفعال الصيال جسامة. المطلب الثالث أثر دفع الصيال ويعني ذلك ذلك أنه أتى نشاطاً مشروعاً، في وقت لم تكن السلطات العامة تستطيع ذلك. وقد أسلفنا أن نشاطه هو أداء الفرض كفاية، ولا يلتزم المصال عليه بجبر الضرر الذي أصاب الصائل نتيجة فعل الدفع، أنه لا يسأل كذلك من أسهموا معه في هذا الفعل: فمن آمده بالسلاح الذي دفع به الصيال، تعليمات تحدد له أسلوب دفع السيال لا يسأل كذلك إذ الفعل المباح لا يقبل اشتراكاً في المدلول الجنائي. فأتى من العنف ما يجاوز القدر المتناسب مع جسامة خطر الصيال، ونبحث فيما يلي هذين الفرضين ٣٣٥- تمهيد ۱) تحدي فعل الدفع إلى غير الصائل يتخذ تعدي فعل الدفع إلى غير الصائل إحدى صورتين: صورة لا يتعمد فيها المصال عليه ذلك، وصورة يتعمده فيها. ونبحث فيما يلي هاتين الصورتين ٣٣٦- إصابة غير الصائل دون عمد نعني بذلك حالتي الغلط في موضوع فعل الدفع، والخطأ في توجيهة. يفترض الغلط في موضوع الفعل إصابة المصال عليه شخصاً غير الصائل، وهو يعتقد أنه الصائل: مثال ذلك أن يتعرض شخص لهجوم في الظلام، أما الغلط في توجيه فعل الدفع، فيفترض محاولة المصال عليه إصابة الصائل نفسه، ولكنه لعدم دقته في إصابة هدفه يصيب شخصا تصادف مروره في محل الصيال. وحكم الحالتين واحد، فهو لياحة الفعل طالما لم يصدر عن المصال عليه فإذا ثبت أنه قد بذل كل العناية والاحتياط المفروضين عليه الإصابة الصائل وحده، ولكن حدثت إصابة الغير الأسباب لا سيطرة لإرادته عليها، فالفعل مباح، أما إذا ثبت صدور خطأ عنه، فتلزمه الدية. قدية المصال عليه نفسه مضطراً إلى المساس بغير السائل كي يستطيع إتيان فعل الدفع، مثال ذلك أن يستولي على سلاح غيره كي يستعين به في فعله أو أن يتلف شجرة غيره كي يحصل على عصا يستعملها في الدفع، وحكم هذه الأفعال أنها غير مباحة للمصال عليه، إذ لم توجه إلى السائل، ولكن وجهت إلى شخص سواء لا شأن له بالصيال ولا دخل له فيه، ولكن يستطيع المصال عليه أن يحتج بحالة الضرورة، لا قد التجأ تحت ضغطها إلى إتيان فعله، ويقتضي ذلك بداهة أن تتوافر جميع شروطها. يعني تجاوز حدود دفع السلال التقاء التناسب بين جسامة فعل الدفع، وخطر السيال الذي هند المصال عليه، وإنما المقصود انتقاء شرط محدد منها هو التناسب. القاعدة العامة أنه إذا انتقى التناسب بين فعل الدفع وخطر الصيال، فقد انتقى أحد شروط دفع الصائل"، ومؤدى ذلك أن لا يكون للدفع محل، وبالتالي يكون فعل الدفع غير مشروع. وترى أنه لتحديد تبعة التجاوز يتعين التمييز بين فروض ثلاثة: إذا كان الخروج على حدود الدفع عملياً، أي كان المدافع مدركاً جسامة الخطر، وفي وضعه درؤه بفعل متناسب معه، ولكنه فضل اللجوء إلى فعل تزيد جسامته على ذلال، فهو مسئول عن ذلك الفعل مسئولية عمدية، ذلك أن الفعل في هذا الفرض محض انتقام، فلا يدخل في نطاق الفرض الاجتماعي الشرعي لدفع الصائل، مثال ذلك أن يهاجم الصائل شخصاً بعضا، وفي استطاعته أن يبرأ خطره بدفعه بيده أو ركله بقدمه، ولكنه فهو مسئول عن فعله مسئولية غير عمدية فتلزمه الدية. ٢٦٧ وفي النهاية، إذا ثبت تجرد فعله من العمد والخطأ، كأن يكون التجاوز وليد الاضطراب ودقة الموقف اللذين بلغا حداً ازال كل سيطرة لإرادته على فعله، وتعليل انتفاء المسئولية هو انتفاء الركن المعنوي لجريمته، بانتقاء العمل والخطأ معاً. المبحث الثالث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ٣٤٠ - تعريف وهذا هو الأمر بالمعروف، وأن ينهى عن كل قول أو فعل يناقض أحكام الشريعة الإسلامية، وهذا هو النهي عن المنكر. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سبب إباحة، كما لو كان القول فيه تعليف يعمل اعتبار الموجه إليه، أو كان الفعل فيه إتلاف المال، كإراقة خمر يتعاطاه شخص أو إتلاف أدوات قمار أو لهو منهي عنه، كان القول أو الفعل المنابق مباحا فلا مسئولية ولا عقوبة على من صدر عنه ذلك القول أو الفعل. الشرعي الخاص، وهذه المقابلة سندها أن دفع الصائل هو دفاع عن مصلحة لشخص معين، قد يكون المصال عليه، الإسلامي في مجموعه. مؤداه أن يستفيد من الإباحة مواطن الدولة الإسلامية، وذلك في الحدود التي تتفق فيها تعاليم الشريعة الإسلامية، وسندنا في هذه المساواة، كما يتحقق التوازن بين شقي التجريم والإباحة في تطبيق الشريعة الإسلامية على رعايا الدولة. ٢٤١- السند الشرعي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السند الشرعي لهذا السبب للإباحة نصوص عديدة وردت في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وقوله عز وجل كُنتُمْ خَيْر أُمَّةٍ أخرجت للناسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَر (۲۸۰)،