وجمعت أعظم تشريعات هذا الدين القيم. فمن منتصف السورة جاءت هذه الآية العظيمة، قال جل في علاه: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا). وهذا واضح ليس في التشريع فحسب بل في الكون كله، مما يدل على إرادة العدل في تصريفها، والتناغم بينهما جلي وبين، فالآية تبين أن قاعدة الحق والعدل الذي بني عليه هذا الكون هي نفسها التي بنيت عليها هذه الشريعة الغراء. وهي القاعدة التي تقوم عليها حياة الناس ويصلح بها معاشهم، أو قل إعطاء كل ذي حق حقه، كما في حديث سلمان وأبي الدرداء، إن المراد الوسطية بكل معانيها، من العدل والخيرية والتوسط بين طرفي النقيض، فلا غلو في الدين، فحيث ننهى عن التشدد، فإنا ننهى عن التمييع والتساهل أيضاً، والوسط بين هذا وذاك أن يقام شرع الله كما ينبغي أن يقام. كما نبهته إلى آخرته وحثته عليها، ولم تلغ دنياه وتشغله عنها (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، وفي كل شأن فإن المسلم الحق يسلك طريق الوسطية فيه، فليست الوسطية في العمل فحسب، فلا تظنن أخي الحبيب أن التشدد دين، والله تعالى يقول: (ولو شاء الله لأعنتكم) ويقول: ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) ويقول: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ). وفي هذا بيان أن فعل التكليف هو الدين.