وغابت الشمس وبدأ الليل يرخي سدوله على الكون ويطغى على حمرة الأفق، كل هذا يحدث وأنا سارح بتخيلاتي في آفاق لا أستطيع أن أجد نفسي فيها وتدور عقارب الساعة ولا أجد لذلك تأثيراً وكأن الزمن قد توقف. ما أروع صنع الله في ساعة قريبة ودعت الدنيا شمسها كأم تزف ابنتها إلى عريسها، لكنه ماض حزين يذكرني بقسوة هذا البحر الهادئ الآمن الداعي إلى التأمل والتفكر. فتسلمت عنان نفسي لأخوض غمار هذه الذكريات المحزنة لعلّي أجد في ذلك سلوى لنفسي المكلومة. قبل عشر سنوات على وجه التحديد اعتدت أن أركب البحر مرافقاً لوالدي الذي كان يجول بسفينته التجارية حول شواطئ إيران والهند وبلاد إفريقيا. وقد أخذت الشمس مكانها في كبد السماء لتلفح وجوه الناس بحميها، فك (القلص) وعلى ظهرها ما يربو على خمسة عشر بحاراً ممن وقع عليهم الاختيار بحكم درايتهم بأمور البحر وبمن اتصفوا بالعقل والتفكير وحسن التصرف، وأن يجدني متزوجاً وقد رزقت ببنين وبنات فيعبثون بلحيته البيضاء ويضاحكونه وأعود إليه من البحر مرفوع الرأس ومحملاً بهدايا من الموانئ التي أرسيت فيها سفينتي. وتنهد أبي وكأنه أزاح عن صدره حملاً كان يقلقه وهو يقول: (قدرتك يا رب كم غربت عني شمس وطلعت وأنا بعيد عن ملاذي بعيد عن أم أحمد). جاء الليل بظلامه الحالك ولم نكن نرى شيئاً في حدود قوة الإبصار فقد كان الظلام يحول دون رؤية الأشياء، وطال بي التفكير إلى أن أفقت على صوت السمر الذي شكله البحارة فأبيت إلا أن أشاركهم سمرهم. انتهى دور السمر وبدأ دور تجاذب أطراف الأحاديث الشيقة عن حياتهم الخاصة تارة، ويحمل هذا الحديث بعض البحارة إلى أن يصرح «بأن زوجته لا تفتح الباب حتى تعلم نوع الهدية التي جلبها هذه المرة أو ليصبر حتى تتزين بأحلى الملابس والحلي لملاقاته». ويمضي اليوم الأول والثاني ونحن على ما نحن عليه من راحة البال وهدوء النفس والسفينة تشق عباب البحر مرفوعة الصدر والرأس لا تلقي بالاً لما حولها، لكن مع بزوغ فجر اليوم الثالث بدأت السفينة تتنازل عن بعض كبريائها وتحد من شموخها وباتت وشيكة الرضوخ لمطالب الظروف الجديدة. هبت العاصفة الحمراء من حيث لم نعمل له حسباناً، هبت مصحوبة بأمواج كالجبال. فالبحارة مجتمعون لا للتسامر وتجاذب الأحاديث، فلا مكان للسمر والأحاديث هنا. فالرياح تزداد سرعة والأمواج تزداد ارتفاعاً مع كل دقيقة تمضي، وبدأت توجه الضربات إلى صدر السفينة بلا رحمة حتى احمرّ صدرها، وازداد الموقف تعقيداً فالكل ينتابه الخوف والارتباك ومتوجه بتفكيره إلى نهاية هذا المطاف والمصير المنتظر. هيهات أن تواجه السفينة هذا الجيش الغازي بقضه وقضيضه ومن ثم أصبحت السفينة لعبة في يد الأمواج والرياح تسيّرها حسب كيفيتها. والبكاء يخالط دعائي وما زلت بالدعاء حتى انقلبت السفينة رأساً على عقب إيذاناً بانتهاء مرحلة الصمود على ظهرها، وطالت ساعات الصراع مع الموت وبدوت منهوك القوى ووشيكاً أن تجمد بنت الشفة في فمي لولا رحمة الله الذي استجاب لدعائي في اللحظة الأخيرة، استعدت الذاكرة في بيت صياد انتشلني من المياه قبالة قريته، تذكرت كل هذا وصورة ذلك اليوم المشؤوم واجمة أمامي بكل ما فيها وقد اعترتني موجة من الحزن والأسى.