وأخذت تحتجب وراء السفن الراسية في البحر، و لا أسمع شيئا سوى أصوات الأمواج تتكسر على مقربة مني، وجدت نفسي مشدودة إلى شيء مضى ، أبحرت السفينة من بلدي ، فُكَّ الْقَلْصُ وعلى ظهرها ما يربو على خمسة عشر بحارا ممن وقع عليهم الاختيار بحكم درايتهم بأمور البحر وبمن اتصفوا بالعقل والتفكير وحسن التصرف والصداقة التي كانت تجمعهم بأبي . أمَّ أبي البحارة لصلاة العصر ، جلست مع أبي نراجع بعض الحسابات الخاصة بالبحارة ، تحدث أبي عن أمنيته بأن يراني خلفا له ، وأُبحر وأَعود إليه من البحر مرفوع الرأس . سرقنا الوقت فإذا بِنَا نُشْرِفُ على المغيبِ ، وجمعنا أبي الكريم لتناول طعام العشاء ، فقد كان أبي يكره أن يميزه شيء عن سائر البحارة ، تنازل عن تناول غدائه بمفرده حفاظا على شعور البحارة ، يا ترى هل الظروف الحالية هي التي خلقت هذا المجتمع بهذه الصورة ؟ أم أن هؤلاء البحارة بطبيعتهم هكذا ؟ ولم نكن نرى شيئا في حدود قوة الإبصار ، هبت مصحوبة بأمواج كالجبال ، تغير الموقف على ظهر السفينة ، فالبحارة مجتمعون لمواجهة هذا الخطر المرعب ، ارتفعت الأيدي إلى السماء، إلى الله ليزيل هذه المحنة ، بدأت تُوجه الضربات إلى صدر السفينة ، فالكل ينتابه الخوف والارتباك، ومتوجه بتفكيره إلى نهاية هذا المطاف والمصير المنتظر . بدأت أمواج كالسرب الزاحف ، ولكن هيهات أن تواجه السفينة هذا الجيش الغازي ، وأصبحت السفينة لعبة في يد الأمواج والرياح تسيرها وفق كيفيتها . والبكاء يخالط دعائي و مازلت ملتزم بالدعاء حتى انقلبت السفينة رأساً على عقب ، وبدأت مرحلة مواجهة الموت وجهاً لوجه مع الأمواج التي صرعت البحارة . اشتد وطيس المعركة بين هذا الجيش الجبار وبين هذه الفئة البائسة التي لا تمتلك من أمرها شيئاً ، وأشرفت على الموت لولا رحمة الله الذي استجاب دعائي ، حيث عثَرتُ على قطعٍة من بقايا السفينةِ فاسْتَعَنْتُ بها . ثم عزمت على الرجوع على مسقط رأسي وأنا مدين له بحياتي . مرت الأيام والشهور والسنوات وأنا لا أعلم ما الذي جعلني أعود بذاكرتي إلى الوراء ، تذكرت كل هذا صورة ذلك اليوم المشؤوم واجمة أمامي بكل ما فيها ، وقد اعترتني موجة من الحزن والأسى ، الآن سأتركك لأرجع إلى بيتي إلى أولادي ، لكن لا لم أعود إلى البيت ،