يُخيَّل إليّ أن لو كان للحب مقياس يقاس به كما تقاس به درجة الحرارة، لرأينا به أن درجة الحب في الشرق منخفضة منخفضة، وأن درجة البغض — أو على الأقل درجة الحياد — مرتفعة مرتفعة حتى تكاد تبلغ المائة. ولا حب الأب لابنه ولا الابن لأبيه، فهذا حب غريزي تراه في القطط والكلاب وكل حيوان، فهذا القدر في الشرق أقل جدًّا من مثيله في الغرب. لقد لفت نظري إلى هذا المعنى أني زرتُ إنجلترا مرة، فبعد أيام قليلة أحسست أن كمية الحب في الجو أكثر منها عندنا، وفي معاملتهم على اختلاف أنواعها، بل وفي السؤال: أين الطريق؟ ونقصان هذه الكمية في الشرق هو أكبر سبب في أكثر ما نرى من متاعب؛ حتى لم يبق رأس سليم، وهو الذي جعل الجهود تبذل بين تفكير في خطط الهجوم وخطط الدفاع، فيبدو في أغلب أحيانه كعتاب الأصدقاء؛ وأجمل من هذا أن تختفي هذه الاتهامات إذا جدّ الجد، وظهرت مصلحة الشعب في التعاون. ونقصان كمية الحب هو علة ما يبدو من شكوى أصحاب الأعمال من الموظفين، إنما المرتب يدعوه لأن يحضر في موعد الحضور ويخرج في موعد الخروج، أما روح العمل، والعمل لخيرهم، فإنما يبعث عليها كمية كبيرة من حب الناس لا تزال مفقودة عند أكثر الموظفين. ونقصان الحب هو الذي ملأ الجو بشكوى الفلاحين من مُلاّك الأراضي، ومُلاك الأراضي من الفلاحين، لأنها عدمت بلسم الحب. إن توفر الحب انعدمت الحرب بين الطبقات؛ لأن الغنيّ يحب الفقير فيرحمه، والفقير يحب الغني فيحترمه، فتحبهم وتفيض عليهم من خيرها؛ وطبقة الفلاحين والعمال تجازي إحسانًا بإحسان وفضلًا بفضل؛ وهكذا يسود الجميع حب وعطف ورحمة، إن ما حدث في الأمم من توارث تطالب بحقوق الإنسان، والفقير البائس، والطبقة التي تشقى لحساب الطبقة التي تتقلَّب في النعيم. وبين الفقير والغني، وهو لم يصل إلى غايته؛ ولم يبلغ كماله إلا لأن كمية الحب في العالم أقل مما يرجوه المصلحون وينشده المثاليون. وإن استعداد شعوب أوروبا للحرب، وتسابقها في وسائل الفناء دليل على أن الحب في كل شعب لم يتعدّ دائرة قومه، ولم يخرج عن نطاق القومية ليشمل الجنسية. واستغلاله لمصلحته، لم يستطع أن يمزق حجبه، ويتغلب على أنانيته وقوميته وجنسيته ليظفر بحب إنسانيته. إن شئت فقل: إن كمية الحب في العالم أقل مما يلزم، وإنها بذرة صغيرة تحتاج إلى النماء، وإنها في الشرق أقل منها في الغرب. إن نهضة الشرق للدفاع عن استقلاله مظهر من مظاهر حب القومية في قلبه، وإن تعاون أمم الشرق فيما تشترك فيه من مصالح، دليل على اتساع الحب من قومية إلى شرقية، والشكوى الملحة من الطبقات بعضها من بعض، وتوزيع ميزانيات الدول في مصالح الخاصة أكثر منها في مصالح العامة، وأنه في أشد الحاجة لمن يرعاه ويربيه وينميه. ونفذت الفكرة لما فيها لا لقائلها، ولا المصلحة الحزبية. وعممت المستشفيات الشعبية، مظهر الحب التعاون، والحرب أثر من آثار الوحشية، والتعاون — في أحسن أشكاله — أرقى ما وصلت إليه الإنسانية. كالأمة تدافع عن نفسها، ولكن لم يبعث عليه في الأصل إلا الكره من الأمم المهاجمة، ولو فشا الحب في العالم واتسع نطاقه حتى شمل الإنسانية بأجمعها لحل التعاون محل الحرب. والكره الواسع؛ فالوطنية ليست إلا حبًّا ضيقًا في حدود الإقليم، مغَلَّفًا بكره واسع في خارج الحدود. ومن الأسف أن ليس في الإمكان أن تدعو أمة إلى ترك وطنيتها؛ لأنك بذلك تدعوها إلى إلقاء السلاح وسط مسلحين لا يكادون يشعرون بإلقائها سلاحها حتى ينقضوا عليها. وإنما الأمل الوحيد عند المتفائلين أن تتعلم الأمم جميعًا من دروس الحرب أن تتعاون على قلب النظم الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية، ووضعها على أساس جديد هو حب الإنسانية. ومن فجر الحضارة كان هناك مظهران متناقضان في العالم: مظهر كره يدعو إلى الحرب بين الأمم، ومظهر حب كمين يدعو إلى التعاون في الفنون والعلوم والنظم الاجتماعية. وكذلك الشأن الآن بين الأمم الأوروبية بعضها وبعض، وبين أمم الشرق وأمم الغرب؛ والحروب أخرّتها. ثم بالتعاون بعثت؛ وهكذا فلسفة الإسلام وفنون الإسلام. وما كان من خراب وبؤس للشعوب وخوف على الأنفس والأموال، فمنشؤه الحرب التي دعا إليها الكره. وبعد فما أحوج الناس جميعًا إلى الاستزادة من الحب، وما أحوج الشرق خاصة إلى الاستزادة من الحب فهو دواؤهم الوحيد الذي يتغلبون به على أمراضهم. وغنى بعد فقر،