«عيلة الدوغري» مسرحية ليس فيها إلا كل ما هو دراما، ودراستي النَّظرية للأشكال والقوالب والألوان والاتجاهات، وحسبما أعانتني طاقتي ومقدرتي وتجاربي السابقة في الكتابة للمسرح، بل وليست تطويرًا لهذا المفهوم التقليدي، بل هي كسابقتيها «الناس اللي تحت» و«الناس اللي فوق» فنٌّ مسرحي جديد نستطيع أن نُرْجع صورته الأولى إلى تشيكوف ثم مكسيم جوركي، ولقد سبق أن نَبَّهْتُ نعمان عاشور إلى حقيقة هذا الفن في ندوة إذاعية ناقشْنا فيها مسرحية «الناس اللي فوق»، بل وكتبت عن هذا الفن الجديد مقالًا ضافيًا في جريدة «الشعب» واستعرت في تسميته الفنية لفظة «الأوتشرك» الروسية، التي عندما تُطْلَق على فن مسرحي يكون معناها الريبورتاج أو التحقيق الدرامي، وإن تكن الدراما ولا «الست دراما» بمعناها التقليدي، فمن المؤكد مثلًا أن تشيخوف لم يكتب في مسرحيته «الأخوات الثلاث» دراما بالمعنى التقليدي، أي: دراما تقوم على وحدة الحدث وعلى الصراع، وبالرَّغم من أنَّ لكل منهن شخصيتها الخاصة وفتات حياتها المتميزة إلا أنَّ حياة ثلاثتهن تنتظمها فكرة عامة واحدة، وما نزل بها من تفكك وأنانية بعد أن مات عائلها الثري أو الذي كان ثريًّا ثم فقد ثروته، إلى إظهار جوهر كلٍّ من الأخوة الخمسة الذين تتكون منهم عائلة الدوغري التي كانت تعيش في مودة وسلام أيام الرَّخاء الذي استطاع رب الأسرة أن يُوفره لهم، وواضح من هذا التركيزِ لفكرة المسرحية وعمودها الفقري أنها من فن الأوتشرك، ومع ذلك لستُ أدري لماذا يتشبث نعمان كالغريق «بالست دراما» مع أنَّ موهبته الحقة قد هَدَتْه إلى كشف صورة جديدة بالنسبة لأدبنا العربي في فن المسرح؛ ولقد أحسست بعنفٍ هذا التشبثَ منذ سنوات عندما تحدثْتُ وكتبت عن طابع الأوتشرك في مسرحيته عن «الناس اللي فوق»، وأخذ يُقسم بأغلظ الأيمان أنَّه قد كتب دراما بالمعنى التقليدي، وكل ما تنازل عنه يتمثل في قوله إنها دراما في أنضج المفهومات المتطورة للدراما الحديثة المعاصرة، ولستُ أدري ماذا كان يمكن أن يقوله النقاد لو راح برتولد برخت مثلًا يزعم أنَّ مسرحياته الملحمية ليس فيها إلا ما هو دراما في أنضج المفهومات المتطورة، أو لو راح بيكيت أو أونسكو وغيرهم يزعمون أنَّ مسرحيات اللامعقول هي الأخرى ليس فيها إلا كل ما هو دراما متطورة. ألاحظ أن هذا الاتصال قد أفاد العقلية النقدية العامة بمرونة جديدة وفَهْم أوسع لفنون المسرح، وإنني لَأذكر أنني قوبلْتُ بموجة من التساؤل والاستنكار عندما سَمَّيْتُ مسرحية «الناس اللي فوق» بالأوتشرك، بل ومن كثير من النقاد الذين راحوا يزعمون أنني أحاول فلسفة التوافه أو الخروج على الأصول التقليدية «للست دراما»، فجميع مَنْ كتبوا عن تمثيلية «عيلة الدوغري» قد اعترفوا هذه المرة بأنَّ نعمان، وإن يكن قد خرج فيها على الأصول التقليدية للدراما، إلا أنه قد قدم مع ذلك مسرحية ناجحة أُعْجِبوا بها جميعا، وإن يكن قد بقي أن يعترفوا في شجاعة بالاصطلاح الفني الذي أطلقْتُه على هذا النوع من المسرحيات، ولقد كان نعمان محظوظًا باختيار الأستاذ عبد الرحيم الزرقاني لإخراج مسرحيته الجديدة، وبخاصة الأستاذ القدير الأستاذ شفيق نور الدين الذي أدى دور عم علي الطواف في عمق وتركيز وأصالة، ولست أدري هل كان من الأفضل أن يلجأ بقية ممثلينا الأفذاذ إلى مثل اتزان وتركيز شفيق نور الدين، أم أن أدوارهم كان من الصعب إخضاعها لنفس النهج، فيما عدا دور الممثلة الممتازة نادية السبع في شخصية كريمة،