المبحث الثالث يركز على الأساس الاجتماعي والتاريخي للقانون، مؤكداً أنه ليس كياناً معزولاً بل نتاج للحياة الاجتماعية والتغيرات التاريخية. القانون أداة لتنظيم المجتمع وتطور عبر الزمن. المجتمع هو المصدر الأول للقانون، إذ يُعبّر عن حاجات الناس وينظم علاقاتهم ويتأثر بقيم المجتمع واقتصاده وثقافته المتغيرة. تُعد نظرية العقد الاجتماعي من أهم النظريات التي فسّرت نشأة القانون: يرى توماس هوبز أن القانون ناتج عن تنازل الأفراد عن جزء من حريتهم لسلطة عليا لتجنب الفوضى وضمان الأمن والنظام. أما جون لوك، فيعتقد أن القانون وسيلة لحماية الحقوق الطبيعية كالحرية والملكية والحياة، وتنظيم الحرية الفردية لضمان العدالة. بينما اعتبر جان جاك روسو أن القانون يجب أن يكون تعبيراً عن الإرادة العامة للشعب، ليتحقق من خلاله طاعة الجميع ويُجسد المصلحة العامة للجماعة. هذه النظريات تُظهر نشأة القانون من حاجة الأفراد لتنظيم حياتهم المشتركة وتحديد حدود الحرية. ويضيف إميل دوركايم أن القانون انعكاس للقيم والمعتقدات السائدة في المجتمع والوعي الجمعي. ففي المجتمعات التقليدية ذات التضامن الميكانيكي، يكون القانون قمعياً للحفاظ على تماسك المجتمع. أما في المجتمعات الحديثة ذات التضامن العضوي، فيصبح القانون ترميمياً، يهدف إلى إصلاح العلاقات وإعادة التوازن. هذا يؤكد أن القانون نتاج لتطور الضمير الجمعي الذي يحدد الصواب والخطأ، ويتغير بتغير المجتمع. لا يمكن فهم القانون بمعزل عن أساسه التاريخي؛ فهو نتاج لتراكمات وتجارب إنسانية عبر العصور، ويتطور مع تطور المجتمعات وتأثرها بالأحداث السياسية والاقتصادية والدينية. بدأ القانون كعادات عرفية، ثم ظهر تدوين القواعد مثل قانون حمورابي. وتطورت الأنظمة القانونية في الحضارات القديمة (مصر، اليونان، روما) ببروز مفاهيم العدالة والمواطنة. وفي العصور الوسطى، غلب الطابع الديني. ومع قيام الدولة الحديثة، انتقلت سلطة التشريع إليها، فبرز القانون الوضعي القائم على العقل والعلم. للأحداث التاريخية الكبرى تأثير بالغ: فالثورة الفرنسية ألغت الامتيازات وأقرت المساواة، وأدت لصدور قانون نابليون المؤثر. والحروب العالمية أبرزت الحاجة لقوانين حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. وفي الجزائر، أدت حرب التحرير الوطني إلى قوانين تعبر عن السيادة والعدالة الاجتماعية.