الفصل الأول مظاهر التطور والتجديد في الشعر العباسي وانصهارها مع الثقافة العربية في بوتقة الإسلام الذي أصبح حضارة جديدة لتلك الثقافات . ولا يتلام مع الروافد الثقافية التى عب منها الشعراء ذوو الجنسيات المختلفة ! فظلوا يدورون في ذلك الحاكم أو صاحب النفوذ ، ومن ثم حرموا من الحرية التي لا يزدهر الشعر إلا في ظلها ، وجاء نتاجهم الأدنى صدى لما يريده المتبوع ! وقد عاش الخليفة العباسي حياتين تخالف الواحدة منهما الأخرى كل المخالفة : حياة خاصة يتحلل فيها كثيراً من القيم الإسلامية ، وحياة عامة معلنة حرص فيها على الظهور بالصورة التي تليق بإمام المسلمين وقائدهم ، وكان من بعض لوازم هذه الحياة أن يظهر فيها بمظهر المحافظ على اللغة والمقدس لتعاليم الدين ، وأدى هذا بدوره إلى أن تمتلى هذه الحياة بأفذاذ العلماء فى كافة المجالات ، ومن ثم فلن يتاح للشاعر الاقتراب منها والتمتع بما تفيضه من خيرات ، إلا إذا وضع عينيه على حماة اللغة وسدنتها الذين يحتلون الصدر فيها. ولذلك كانت هذه المحافظة الشديدة لدى الشعراء حتى غير العربى منهم ، سواء أكان ذلك في تصدر هذه المجالس ، التي يجب أن تظل العربية فيها قوية مزدهرة ، ومن أجل ذلك كان حرصهم على التعمق في اللغة وسبر أغوارها ، وانتقالهم إلى البادية المشافهة الأعراب (۲) والمحافظة على الصورة المألوفة والمرجوة - للغة ، كما يراد لما عند علمائها الذين شعروا بالمكانة التي يتمتعون بها ، فما كان منهم إلا أن بالغوا وتشددوا في المقاييس التي يزنون بها الشعر ، هو المثل الأعلى الذي ينبغى على الشاعر أن يحاكيه ويحلو حلوه ، ونظروا إلى التراث نظرة تقديس تحول دون التطور المرجو للشعر (1) . وتباعد بين الشاعر والانفعال بعصره والتعبير عنه وتد معظم النوافذ وشعر ذاتى يعبر فيه الشاعر عن ذاته ، وبين هذين اللونين من الفروق الفنية ما يضاهي الفروق التي تميزه وهذه الظاهرة واضحة فى شعر كثير من شعراء العباسيين - كابي نواس وأبي العتاهية . ويعترف بشار بشئ قريب من هذه الازدواجية عندما قيل له : إنك لتجئ بالأمر المهجن ، إذ تقول : ( إذا ما غَضِبْنا غضبة مُضَرِيَّةٌ . ثم تقول : ( ربابة ربة البيت . ، فقال : كل وأحسن عندها من من و قفانبك شي في موضعه . وربابة هذه جارية لى . وقولى لها أحب إليها من ذكرى حبيب ) (۱) ؛ وقد حاول الدكتور طه حسين أن يعلل لروح المحافظة التي سيطرت على الشعر العباسي وعاقته عن التطور المرجو بالنسبة لما أصابته آداب الأمم الأخرى من التطور ، والآخر يجذبها بعنف إلى الخلف . وكان تنجذب إلى الوراء بحكم الدين وبحكم لغته الدينية التي كان الحفاظ عليها وصيانتها واجباً دينياً لا سبيل إلى جحوده أو التقصير فيه . ثم الخلفاء الذين وإن أعجبوا بهؤلاء الشعراء، فإنهم اضطروا أحياناً إلى حبسهم ، وعدم مخالطتها مخالطة أدبية وعقلية أثر واضح في عدم التطور لأن الحضارة المادية لا تكفى وحدها لدفع الشعر إلى التطور المنتج (1) وربما يدعم هذا الرأى أن المترجمين العرب لكتاب أرسطو و من الشعر ،