هذا المقطع متصل مع المقطع الأول، فبينما كان الكلام في المقطع الأول عن عتاب الله -عز وجل - لنبيه الكريم - صلى الله عليه وسلم - حين تلهى عن ابن أم مكتوم -- وصد عنه، كان الكلام في المقطع الثاني عن تأكيد ذلك العتاب، أي "لا تفعل بعدها مثلها من إقبالك على الغني وإعراضك عن المؤمن الفقير وهي قوله تعالى: كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ) وفصل حرف الزجر كلا ، فيجيء الجواب بعد هذا التساؤل بشكل مباشر وسريع بقوله إنها تذْكِرَةٌ (عبس: ۱۱)، وقوله : ذَكَرَهُ ، أي هذه الموعظة تذكرة من الله يذكر بها عباده، ولهذا فإن القرآن الكريم اشتمل على أمور كثيرة ووظائف متعددة منها : أ أنه كتاب تذكرة للعباد ومنها: أنه دستور الهداية إلى الدين، ومنها : أنه كتاب يذكر بمعارف عقلية، وينبه على معارف كونية. لذلك فإني أوجه رسالة نابعة من قلب صادق لجميع المسلمين في أنحاء العالم وفي كل مكان، وفي قوله : فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ ) (عبس: (۱۱)، تعريض بأن موعظة القرآن نافعة لكل أحد تجرد عن العناد والمكابرة، فمن شاء أن يتعظ ويعتبر وينتفع بهذا التذكير فاز وربح، ثم أثنى الله - عز وجل - على هذه التذكرة، وذكر محلها وعظمها وجلالة قدرها، مبينة أن منزلة القرآن أعظم منزلة، ومخبرة بأنه موجود في صحف وصفها بثلاثة أوصاف أنها مكرمة، وليس بين هذه الأقوال تعارض ولا اختلاف، وأخذ ذلك من مقابلته بالملائكة في قوله - - بعدها بِأَيْدِي سَفَرَةِ ) كرام بررة ) (عبس: ١٥ - ١٦) ، وقيل : هم القراء، قال ابن جرير : " والصحيح: أن السفرة الملائكة، وتسفر بين الله وبين رسله. فهم كرام في أخلاقهم، حيث ورد ذلك في حديث عائشة - - أنها قالت : قال رسول الله - - " الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران"(٢). لهذا ينبغي لحامل القرآن أن يكون صاحب خلق كريم في أقواله وأفعاله، وأن يقتدي بالملائكة الكرام في طاعته لربه - سبحانه وتعالى - ويكون على درجة كبيرة من العلو والرفعة، كما كان يفعل صاحب الخلق العظيم النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام، وتلتقي على تحقيق هدفه من بيان مكانة القرآن الكريم وعظم منزلته، يتوجب على الدعاة وحملة القرآن الكريم، لأنه في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة. وابذل قصار جهدك في طمأنة وتطيب قلوب الفقراء المقبلين عليك،