على أساس جنسي أو إثني أو قومي أو ديني أو مذهبي أو لغوي أو ثقافي، على هذا النحو يعيّن لمفهوم العدالة، حقولًا دلالية وتداولية وآفاقًا معرفية ومجالات اشتغال رحبة، تعريف العدالة بالسلب يعيِّن نسبية العدالة وتاريخيتها، بما هي سيرورة نفي مستمرة لجميع أشكال اللاعدالة في الفكر والسلوك والنظم الاجتماعية والسياسية، العدالة والاستبداد ضدان لا يجتمعان معًا، تفترض هذه المقاربة أن العدالة تتأسس على اللاعدالة المؤثلة في العالم المعيش، على نحو ما يتأسس العقل على اللاعقل، أي على نحو ما يتأسس الوضعي على الطبيعي، وتفترض أن التعارض بين اللاعدالة والعدالة هو تعارض مقيم، يحيل على قابلية العدالة للنمو والانبساط، في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية، هذه الصيغة تحيل على اللاعدالة المُدرَكة والمُتوافَق على تعيينها ووصفها، فتكون العدالة وسطًا بين حدين، قد نصل إلى إدراك إمكانية العدالة ونسبيتها وتاريخيتها، فيغدو النقاش والعمل المشترك في سبيلها ممكنين. وبقول موجز: العدالة هي رفع ما يمكن رفعه، من أشكال اللاعدالة المشار إليها فوق. ثرية بالدلالات (راجع لسان العرب أو غيره من القواميس)؛ فهي تدل على المساواة والتكافؤ والاعتدال والإنصاف مما لم يعشه العرب قط في تاريخهم، وإن لم يخل الأمر من سجايا فردية. فلعل أول تحقق نسبي لمعنى من معاني العدالة حصل في ظل الدولة الدستورية الحديثة، حين أقرت حق الاقتراع العام، ومبدأ المساواة بين مواطنيها أمام القانون[1]، وقد رأى كارل ماركس في حق الاقتراع العام إلغاءً سياسيًا للملكية الخاصة، لكي تنمو الملكية الخاصة والدين ويزدهرا معًا في المجتمع المدني؛ فثمة علاقة لا تخفى بين الدين والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وبينه وبين التقسيم الجنسي للعمل من الجهة المقابلة. لذلك نعتقد أن العدالة هي الأفق الذي تتجه إليه الديمقراطية، وجهان متلازمان تلازمَ القاعدةِ الموضوعية والمبدأ الأخلاقي، يدخلان في تعريف العدالة، وفقًا لزاوية النطر إليها: مرة بأنها قاعدة موضوعية، ومرة بأنها مبدأ أخلاقي؛ الوجه الأول من هذين الوجهين هو “عدالة التوزيع” أي توزيع الثروة والسلطة وعوامل الإنتاج الاجتماعي والموارد الثقافية، وفقًا لمبادئ العدالة التي يفترض أن يبنى العقد الاجتماعي عليها، وتحظى بقبول عام صريح أو ضمني. والوجه الثاني هو “عدالة المعاوضة” أو عدالة التبادل، التي تشمل المبادلات والمعاملات والعقود كافة، كعقود البيع والشراء والرهن والإيجار والاستثمار وعقود العمل وغيرها. لا تحظى بها أركان عملية الإنتاج الاجتماعي الأخرى، هذه المزية هي إظهار قيمة كل ما يجري تبادله بين الأفراد والجماعات والشعوب والدول. فالمبادلات المادية واللامادية، التي تحقق منافع مادية ومعنوية للأفراد والجماعات هي التي تجعل من المنفعة (العامة) قاعدة راسخة تنهض عليها الأخلاق المدنية التي تتناسب مع مستوى العدالة/ اللاعدالة في هذه المبادلات. التبادل هو الكيمياء التي تجعل القيمة تنبق من المادة (مادة التبادل)، ولكن السحر يرتفع حين نعلم أن القيمة كانت في أساس العمل، يتجاوز فكرة العمل المتبلور، إلى العمل بصفته معرفة – قيمة متحققة بالفعل. وإلى ذلك تنطوي العدالة، إما تعويضًا عن حرمان وتهميش مزمنين، وإما لحفز النمو في مناطق أو قطاعات قليلة الموارد، فالإنصاف هو أَن تعطي الآخر من نفسك النَّصَفةَ، أَي أن تُعْطيه من الحق كالذي تستحق لنفسك، وأن تعامل الناس كما تحب أن يعاملوك. ولذلك تُعد العدالة الانتقالية انتصافًا لضحايا العنف والحروب والكوارث الطبيعية، يبدو لنا مما تقدم أن الأسس المعرفية – الأخلاقية والعملية للعدالة هي أربعة: 1 – المساواة النسبية، المساواة النسبية هي مساواة أمام القانون ومساواة في الحريات الأساسية والحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، صفة النسبية للمساواة والحرية هي التي تقضي بأن العدالة نسبية وتدريجية، وتقليص ما يمكن تقليصه من تفاوتات وحرمانات مادية ومعنوية، يفترض أن ينعقد العقد الاجتماعي، وعليها تنهض العدالة في توزيع الثروة والسلطة وعوامل الإنتاج والموارد الثقافية، وعليها ينتصف المجتمع من نفسه للفئات الفقيرة والمهمشة والمحرومة، وهذه المشاركة مشروطة بتمكن المواطنات والمواطنين كافة من التمتع بالحريات والحقوق والحياة الكريمة. نعتقد أن هذه الأسس متكاملةٌ ومتضامنةٌ، وهي ذاتُها شروطُ إمكان العدالة الاجتماعية. من بين مبادئ العدالة، المساواة النابعة من الاشتراك في النوع أو الجنس البشري، والعدالة تركيب فريد من هذين العنصرين المتعارضين، تصير المساواة قطيعية والحرية فوضى. تلكم هي العدالة قبل أي شيء آخر. نقول ذلك لمعارضة المساواة المطلقة بين الأفراد، ولا سيّما بين الذكور والإناث وبين النساء والرجال، في نقاش ممتع عقليًا لمبادئ العدالة عند جون رولز، بصفته صيغة تأسيسية للعقد الاجتماعي، وهي قصة أراد سن أن يقول من خلالها إن ثمة أسبابًا كثيرة متنافسة للعدالة، منها الحاجة والكفاءة وحق الإنسان في ثمار عمله. والفتاة التي صنعت الفلوت وتدافع عن حقها في ثمرة عملها. فإذا كانت حجج الأطفال الثلاثة تقدم أسبابًا للعدالة؛ ولا تفضي إلى عدالة، وكنا في حاجة إلى أسباب أخرى للعدالة. مسألة الحقوق أكثر واقعية في العالم المعيش من قصة سن. وأن المهارة يجب أن تُحرم من شروط تحققها عمليًا. إذ يقر كل من الأطفال بأن الفقير يجب أن يكون لديه ما يسد حاجته، وهو إقرار ينم على ملكة عقلية وأخلاقية مشتركة فيما بينهم. فكل منهم شخص ذو مصلحة بامتلاك الفلوت، يفترض أن أي عقد اجتماعي عليه أن يراعي حق الفقير في سد حاجاته، وحق المنتج في ناتج عمله.