رأينا أن المسرح بمفهومه الحديث قد وفد إلينا من الغرب، وبالتحديد منذ حملة نابليون على مصر، ما يذكرنا بمسيرة القصة والرواية الحديثتين، رغم الاختلاف بين الموروثين. لكننا نرى أن الموروث القصصي أعمق واوسع من الموروث التمثيلي. يقر المسرحيون الاوائل بتأثرهم من المسرح الغربي، في أخذهم عن المؤلفات الغربية، فحاولوا أن يمزجوا بين الحضارتين لجذب المشاهدين، ثم في فترة لاحقة كان عليهم أن يؤلفوا مسرحيات ذات طابع عربي شرقي. بالرغم من تأثر كل من مارون النقاش وصنوع من المسرح الأوروبي وبالرغم من تقليدهما لأصوله، إلا أننا لاحظنا لجوء كل منهما إلى المواءمة بين الشرق والغرب، فكلاهما أدخل عناصر شعبية. فيما أن ابو خليل القباني قد حافظ على العديد من عناصر الفنون الشعبية الشائعة في أيامه. لقد اضطر بعض الرواد إلى إدخال بعض الفنون الشرقية لاجتذاب المشاهدين الذين اعتادوا على الفنون الشعبية السابقة للمسرح الحديث، ولنقل إنها عملية مجاراة للذوق السائد لتسويق أعمالهم من ناحية، ولإيمانهم بأهمية المسرح الحديث ودوره في يقظة الأمة. فمن المعروف أن مارون النقاش، على سبيل المثال قد عرض مسرحية هزلية محلية معروفة في الاستراحة بين الفصول أثناء عرضه لمسرحية "أبو الحسن المغفل" إرضاء للحضور الذي تجاوب معها بانفعال شديد. يستطيع المتابع للدراسات أن يرى أن الفنون الشعبية كانت منتشرة في العالم العربي منذ مئات السنين، وأنها أخذت أشكالا مختلفة من قطر لقطر، وإن كان هناك الكثير من التشابه بين هذه الفنون. كما نلاحظ أن هذه الفنون قد سبقت ظهور المسرح الحديث، وقد اختلفت آراء الدارسين في تقييم دور هذه الفنون، فمنهم من يرى أن لها دورا سلبيا في جعل البعض ينظر إلى المسرح والسينما في بداياتها نظرة استخفاف، مهدت لظهور المسرح والسينما. وفي هذا يقول الباحث جوزيف زيدان: "بدون أن أضع نفسي في موقف حرج بالقول إن خيال الظل المعروف للعرب منذ سنة 1171م هو مسرح ذو مكانة عالية رغم أنه لا يخضع للنموذج الأرسطوطاليسي، فإني أريد أن أقترح وجود علاقة بين هذا النوع وبين المسرح العربي الحديث الذي ظهر حوالي منتصف القرن التاسع عشر". أما فيما يتعلق بدور المرأة فقد وجدنا تجاهلا شبه تام لدورها، بل إن مجرد قيام ذكور بأداء دور المرأة كان من ضمن الأسباب التي أدت إلى إغلاق مسرح النقاش ومسرح القباني. وحين عملت في الفنون الشعبية فإنها لم تلق تشجيعا ولا تقديرا، وكانت عملية تجنيدهن عملية مضنية وشاقة وتحمل نوعا من المغامرة. إنني اعتقد أننا أحوج ما نكون إلى القيام ببحث يتناول دور المرأة في هذا المجال لنتمكن من إعطاء الإجابة الوافية. لا شك أن المراحل اللاحقة هي مراحل مهمة في تاريخ المسرح العربي الحديث، وبالتحديد المرحلة التي تلت انتهاء الحرب العالمية الأولى وهي تستحق دراسات موسعة يجب أن تشمل دولا وأقطارا عربية شتى لأن المسرح لم يعد يقتصر على مصر وبلاد الشام، بل تعدى مجمل العالم العربي من مشرقه حتى مغربه. إننا على دراية أن هناك العديد من الدراسات التي تناولت هذا الجانب ولا تزال أقلام عديدة تتناوله في شتى أقطار الوطن العربي، آملين أن نجد نحن وغيرنا الوقت الكافي لتناول مسيرة المسرح الفلسطيني. سيظل بعض الدارسين والباحثين مصرين على تناول موضوع الشرق والغرب وعملية المثاقفة، إذ لا يضيرنا أبدا ، أي اقتباس من الآخر او أي تبادل ثقافي، ألم نأخذ من الفرس والرومان واليونان في القرون الوسطى؟ ألم تتمكن لغتنا العربية بفضل هذا التبادل الثقافي أن ترقى وتتوسع أكثر؟ وهل يتنكر أحد لدور العرب في "ألف ليلة وليلة"، رغم أن أصولهما ليست عربية؟ ألم يتبوأ العرب حينذاك موقع الصدارة في العلم والأدب بعد أن كانوا قد استفادوا وأفادوا؟ هذه الأسئلة وغيرها من الأسئلة المشابهة قد تمت الإجابة عليها من خلال ما أفرزه التاريخ، وما كرمت به قرائح المبدعين.