يلخص هذا النص مفهوم التطورية المحدثة ونظرية التحديث، ثم ينتقل لتعريف التنمية الاجتماعية ومفاهيمها ذات الصلة. **الفصل الرابع: التطورية المحدثة ونظرية التحديث** يرى جولندر وغيره أن توجه بارسونز نحو التطور استكمل مشروعه النظري، خاصة في معالجته لقضايا التغير الاجتماعي، حيث واجه نظريات مثل الماركسية. حدد بارسونز عدة عوامل أساسية للمجتمعات الحديثة: التنظيم البيروقراطي، نظام السوق والمال، الأنساق الشرعية الشاملة، والتنظيم الديمقراطي. اعتبر بارسونز أن نظام المشروع الحر الأمريكي يمتلك أكثر العوامل التطورية، بينما تفتقد الملكية السوفيتية بعض هذه العموميات، ما يجعلها غير مستقرة. وقد صدقت نبوءة بارسونز بزوال النظام الاشتراكي. تضمنت نظرية التحديث دعوات خفية للتطورية، ويمكن تقسيمها إلى أربعة اتجاهات: 1. **الاتجاه السيكولوجي:** يركز على الدافعية الفردية والحاجة إلى الإنجاز كدعامة للتنمية، متأثراً بماكس فيبر. يرى أن الأفراد الطموحين والمبتكرين هم رواد التغيير (مثل ماكلاند الذي أكد على تكون الحاجة للإنجاز مع بدء التنمية). يرى ماكلاند أن المجتمعات ذات الحاجة العالية للإنجاز تتطور أسرع. * **ليرنر:** في كتابه "تجاوز المجتمع التقليدي" (1958)، درس عملية التحديث في دول الشرق الأوسط ومجتمعات نامية أخرى، مؤكداً أن المجتمع التقليدي في طريقه للزوال، وأن الإسلام غير قادر على مواجهة العقلانية. ويرى أن لوسائل الإعلام دوراً أساسياً وفعالاً، يرتبط بالتحضر وزيادة التعليم. صنف ليرنر المجتمعات إلى تقليدية أو حديثة بناءً على مؤشرات مثل التحضر والتعليم والتعرض لوسائل الإعلام. * **إيفرت هاجين:** ربط نمط الشخصية بالتنمية، معتبراً التخلف مرتبطاً بالمجتمع التقليدي الذي يتميز بنقل السلوك بشكل جامد، وتحكم العادة، ونظام اجتماعي جامد، وتحديد المكانة وراثياً، وإنتاجية منخفضة، ومقاومة التغيير، وبنى تسلطية. وميز هاجين بين الشخصية الحديثة (إبداعية، ابتكارية، فضولية، باحثة عن الحلول، تقبل الحوار، تفهم الظواهر سببياً) والشخصية التقليدية (مقولبة، خاضعة للسلطة، مؤمنة بالغيبيات والجبرية، وغياب الحرية). وانتقدت هذه التصورات لإغفالها أسباب وجود تلك الشخصيات. 2. **اتجاه الأنماط المثالية للمؤثرات:** يقوم على مقارنة المجتمعات الغربية بالمجتمعات المتخلفة، ويرى أن التنمية هي تحويل مؤشرات المجتمع المتخلف إلى نمط متقدم، ويمثل تالكوت بارسونز هذا الاتجاه. يتخذ هذا الاتجاه شكلين: كمي (مؤشرات مثل الدخل الفردي والتعليم) وكيفي (تحديد عناصر نموذجية عمومية). إلا أن هذا الاتجاه يعاني من قصور في فهم آليات التغيير، ويهمل السياق التاريخي والبنائي، وقد تكون المؤشرات الكمية مضللة. 3. **اتجاه الانتشار الثقافي:** لا يرى الواقع الإنساني كلاً عضوياً، بل مجزأً، وتنتشر العناصر الثقافية الفرعية منفردة. يرى أن التنمية تتحقق بانتقال وهجرة العناصر الثقافية السائدة من الحضارات المتقدمة (الغرب) إلى الدول المتخلفة (الشرق)، لتحل المنظومات القيمية والعلاقات الحديثة محل التقليدية، والاقتصاد الصناعي محل الزراعي. اعتبر رواد هذا الاتجاه (ليرنر، مور، دوتش) أن التكنولوجيا ورؤوس الأموال والقيم والنظم الغربية هي علاج لمرض التخلف، وأن الانتشار عملية تدريجية لكنها غير حتمية، تتطلب مناخاً ملائماً. **التطورية المحدثة وتحققها:** يعتبر بارسونز الممثل الأبرز والمؤسس للتطور المحدث، الذي يرفض النظريات التطورية القديمة التي تبنت التقدم الخطي المستقيم، مؤكداً أن التاريخ البشري لا يظهر اتجاهاً عاماً واحداً، وأن المجتمعات تتبع نماذج مختلفة من التطور. ويرى أوزوالد شبنجلر أن الوجود البشري دورات صعود وهبوط، بينما يرى فيلفريدو باريتو أن التغير السياسي يشبه الدولاب الذي يدور باستبدال النخب. أما الماركسية فترى تقدماً غير خطي عبر الصراعات نحو مجتمع لا طبقي. جمع ماكس فيبر بين النظرية الدائرية والمستقيمة. تتفق النظريات التطورية على أن قوى التاريخ تنشأ من داخل المجتمع، رافضة القوى الخارجية أو الميتافيزيقية. **الاتجاهات الحديثة في النظرية الاجتماعية:** سعى رواد علم الاجتماع (دركهايم، ماركس، فيبر) لفهم التغير الاجتماعي، مركزين على المؤثرات الخارجية أو قدرة الفرد على التأثير. 1. **الوظيفية:** ترى المجتمع نظاماً معقداً تعمل أجزاؤه معاً لتحقيق الاستقرار والتضامن (كونت، دركهايم). يحدد بارسونز متطلبات بقاء النسق بأربعة: التكيف، تحقيق الهدف، التكامل، المحافظة على النمط. وتشدد على أهمية الإجماع الأخلاقي. لكنها انتقدت لمغالطتها في التأكيد على التماسك وإغفال عوامل التجزئة والصراع والتباينات الاجتماعية. 2. **نظرية الصراع:** تلتقي مع الوظيفية في أهمية البنى المجتمعية، لكنها ترفض رؤية التناسق والإجماع، وتبرز أهمية الخلاف والنزاع والصراع (ماركس، دارندورف). 3. **نظرية الفعل الاجتماعي (الأفراد الفاعلين):** تولي أهمية لدور الفعل والتفاعل بين أعضاء المجتمع في تكوين البنى (ماكس فيبر). تبنى بارسونز مدخلاً خاصاً متجاهلاً الاقتصاد، مركّزاً على المتغيرات السيكولوجية والاجتماعية والثقافية. يتكون نسق الفعل الاجتماعي عنده من أنساق فرعية (ثقافي، اجتماعي، شخصية) متأثرة بنسق ما وراء الطبيعة والنسق الطبيعي. يمثل بارسونز التطور المحدث، ويرى أن بقاء أي مجتمع مرهون بمتطلبات أساسية كالدين واللغة والتنظيم الاجتماعي والتكنولوجيا. ويعتبر الثقافة تكنولوجيا. يرى أن التطور أمر حتمي، ينتقل فيه المجتمع من التقاليد إلى أنظمة بديلة (بيروقراطية، سوق، صناعية) تعتمد على التحصيل لا الوراثة، وصولاً إلى علاقات الارتباط الديمقراطي. نموذجه هو النظام الغربي الأمريكي، الذي يرى حداثته الأكثر تقدماً. يؤكد بارسونز على الانتقال من الخصوصية إلى العمومية، ومن الانتشارية إلى التخصصية، ومراحل الانتقال عالمية، رغم أن نجاحها ليس حتمياً للجميع. ويصف التحديث كظاهرة عامة، ويرى دول العالم الثالث عامل توازن، ويأمل أن تصبح اليابان نموذجاً. يرى ليفي أيضاً أن التحديث حتمي وممكن حتى مع الاستعمار. وجهت انتقادات عديدة لنظريات التطور (جوليان ستيوارد)، حيث رأت أن افتراض التقدم الخطي نحو حضارة أوروبية غير واقعي، وأن التطور ليس حتمياً أو ذا غاية. كما وجهت انتقادات عامة لنظريات التنمية الغربية: ضعف كفاءتها النظرية والأمبريقية، افتقارها لسياسات فعالة، خلفياتها الأيديولوجية التي طبقت نماذج الغرب عالمياً، سعيها لبناء منظومة نظرية عالمية، وأنها عززت التخلف بدلاً من معالجته، وأغفلت البعد التاريخي لتخلف دول العالم الثالث. **الفصل الخامس: التنمية الاجتماعية وسوسيولوجيا التخلف** يميز الاقتصاديون والاجتماعيون بين النمو والتنمية. النمو زيادة ثابتة أو مستمرة في جانب معين (بطيء، تدريجي، كمي)، بينما التنمية زيادة سريعة، تراكمية، ودائمة خلال فترة (تتطلب دفعة قوية، تغير كيفي عميق وشامل)، وهي عملية متعمدة ومنظمة. تختلف تعريفات التنمية الاجتماعية، فبعضهم يراها توافقاً اجتماعياً، أو تنمية لطاقات الفرد، أو إشباعاً للحاجات الاجتماعية، أو تغييراً موجهاً. وتصنف إلى ثلاثة اتجاهات: مرادفة للرعاية الاجتماعية (بالضيق)، أو الخدمات الاجتماعية (تعليم، صحة، إسكان)، أو عمليات تغيير اجتماعي في البناء والوظائف لإشباع الحاجات. فالتنمية الاجتماعية تشمل تغيير الأوضاع القديمة وإقامة بناء اجتماعي جديد يسمح بإشباع الحاجات. ترتبط النظم الاجتماعية بإشباع حاجات الإنسان الأساسية: النظام الاقتصادي (عمل، تملك)، الأسري (المحافظة على النوع)، الديني (الاعتقاد بقوة عليا)، السياسي (أمن، حماية حقوق)، التعليمي (تعليم، اندماج)، الترويحي (استمتاع، تجديد حيوية)، الأخلاقي (امتثال لمعايير)، والرعاية الاجتماعية (تكيف، دور إيجابي). تتعامل التنمية الاجتماعية مع جميع الاحتياجات عدا الاقتصادية (التي تختص بها التنمية الاقتصادية)، لكن هذا الفصل نظري فقط. تتعدد استخدامات مفهوم التنمية: وظيفة حكومية، أساليب تنظيم اجتماعي فعال، وسائل فنية (استخدام خاطئ). ونمط جديد يراها منهجاً ديناميكياً وعملية مستمرة من التعلم والتفكير والتفاعل التعاوني عبر التربية، بهدف حل مشكلات الفرد والمجتمع. هي شكل معقد من الإجراءات والعمليات المستمرة التي يتحكم بها الإنسان في مضمون واتجاه وسرعة التغيير الثقافي لإشباع حاجاته. أما التنمية الشاملة، فتستهدف تحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي عبر إجراءات مخططَة لزيادة الإنتاج الكلي بمعدل أسرع من نمو السكان، بهدف زيادة سريعة ودائمة في متوسط الدخل الفردي الحقيقي وتحسين توزيعه لتحقيق العدالة والاستقرار الاجتماعي. تتطلب تغييرات جوهرية بنيوية وهيكلية في الاقتصاد القائم، لضمان زيادة نصيب الفرد من السلع والخدمات وليس مجرد نمو جزئي. وتشدد التنمية الاجتماعية على العنصر الإنساني والخدمات المقدمة له (تعليم، صحة، إسكان)، مع التركيز على إزالة المعيقات، ومشاركة الأفراد وأصحاب المصلحة في التفكير والإعداد والتنفيذ والمتابعة والتقويم. وهي ليست مجرد تقديم خدمات، بل تشمل تغيير الأوضاع الاجتماعية القديمة وبناء اجتماعي جديد بقيم وعلاقات مستحدثة تلبي حاجات الأفراد.