ويراد بالاستبداد عند إطلاقه استبداد الحكومات خاصة لأنها مظاهر أضراره التي جعلت الإنسان أشقى ذوي الحياة. وأما تحكم النفس على العقل، فيوصف بالاستبداد مجازا أو مع الإضافة. الاستبداد في اصطلاح السياسيين هو: تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف تبعة، وقد تطرأ مزيدات على هذا المعنى الاصطلاحي فيستعملون في مقام كلمة )استبداد( كلمات: استعباد، هذا تعريف الاستبداد بأسلوب ذكر المرادفات والمقابلات، وتفسير ذلك هو كون الحكومة إما هي غير مكلفة بتطبيق تصرفها على شريعة، أو هي مقيدة بنوع من ذلك ولكنها تملك بنفوذها إبطال قوة القيد بما تهوى، وهذه حالة أكثر الحكومات التي تسمي نفسها بالمقيدة أو بالجمهورية. ويكفي هنا الإشارة إلى أن صفة الاستبداد، كما تشمل حكومة الحاكم الفرد المطلق الذي تولى الحكم بالغلبة أو الوراثة، وقد يكون عند الاتفاق أضر من استبداد الفرد. ويشمل أيضا الحكومة الدستورية المفرقة فيها بالكلية قوة التشريع عن قوة التنفيذ وعن القوة المراقبة، لأن الاستبداد لا يرتفع ما لم يكن هناك ارتباط في المسئولية فيكون المنفذون مسئولين لدى المشرعين، ولنا أن نقول كلما قل وصف من هذه الأوصاف خف الاستبداد إلى أن ينتهي بالحاكم المنتخب الموقت المسئول فعلا، وكذلك يخف الاستبداد طبعا كلما قل عدد نفوس الرعية وقل الارتباط بالأملاك الثابتة وقل التفاوت في الثروة وكلما ترقى الشعب في المعارف. إن الحكومة من أي نوع كانت لا تخرج عن وصف الاستبداد ما لم تكن تحت المراقبة الشديدة والاحتساب الذي لا تسامح فيه كما جرى في صدر الإسلام فيما نقم على عثمان ثم على عليّ رضي الله عنهما، وبعد أن تتمكن فيه لا تتركه وفي خدمتها إحدى الوسيلتين العظيمتين جهالة الأمة، فقد انتقم من آدم في أولاده أعظم ما يمكنه أن ينتقم! نعم إذا ما دامت هذه الجندية التي مضى عليها نحو قرنين إلى قرن آخر أيضا تنهك تجلد الأمم وتجعلها تسقط دفعة واحدة. وتكلف الأمة الإنفاق الذي لا يطاق وكل ذلك منصرف لتأييد الاستبداد المشئوم: استبداد الحكومات القائد لتلك القوة من جهة، واستبداد الأمم بعضها على بعض من جهة أخرى. وملوك الإنكليز الذين فقدوا منذ قرون كل شيء ما عدا التاج، أما الحكومة البدوية التي تتألف رعيتها كلها أو أكثرها من عشائر يقطنون البادية فهذه الحكومات قلما اندفعت إلى الاستبداد، وأقرب مثال لذلك أهل جزيرة العرب فإنهم لا يكادون يعرفون الاستبداد من قبل عهد ملوك تبع وحمير وغسان إلى الآن إلا فترات قليلة. وأصل الحكمة في أن الحالة البدوية بعيدة بالجملة عن الوقوع تحت نير الاستبداد وهو أن نشأة البدوي نشأة استقلالية بحيث كل فرد يمكنه أن يعتمد في معيشته على نفسه فقط خلافا لقاعدة الإنسان المدني الطبع، القائلين بأن الإنسان من الحيوانات التي تعيش أسرابا في كهوف ومسارح مخصوصة، وأما الآن فقد صار من الحيوان الذي متى انتهت حضانته عليه أن يعيش مستقلا بذاته، غير متعلق بأقاربه وقومه كل الارتباط، ولا مرتبط ببيته وبلده كل التعلق، كما هي معيشة أكثر الإنكليز والأمير كان الذين يفتكر الفرد منهم أن تعلقه بقومه وحكومته ليس بأكثر من رابطة شريك في شركة اختيارية، يتحفظ بعضهم ببعض من سطوة الاستبداد، وقد تكلم بعض الحكماء لاسيما المتأخرون منهم في وصف الاستبداد ودوائه بجمل بليغة بديعة تصور في الأذهان شقاء الإنسان كأنها تقول له هذا عدوك فانظر ماذا تصنع، إن أيقظوهم هبوا وإن دعوهم لبوا وإلا فيتصل نومهم بالموت. فلو رأى الظالم على جنب المظلوم سيفا لما يقدم على الظلم كما يقال: الاستعداد للحرب يمنع الحرب. ومن المعلوم أن مجرد الاستعداد للفعل فعل يكفي ّشرالاستبداد«. وكالكلاب تذبلا وتملقا، خلافا للكلاب التي لا فرق عندها أطمعت أو ُحرمت حتى من العظام. وخلق هو ليحكمها كيف شاء بعدل أو اعتساف، من أقبح أنواع الاستبداد استبداد الجهل على العلم، واستبداد النفس على العقل، ويسمى استبداد المرء على نفسه، فكفر وما رضي إلا أن تكون أمته أمه وحاكمه أباه. خلق له إدراكا ليهتدي إلى معاشه ويتقي مهلكه، فكفر وما أحب إلا أن يكون كالأبله الأعمى، ينتظر كل شيء من غيره وقلما يطابق لسانه جنانه. خلقه منفردا غير متصل بغيره ليملك اختياره في حركته وسكونه، وليثق بمكافأته أو مجازاته على الأعمال، واستحل المنفعة بأي وجه كان، بمقادير ناطقة بلسان الحال بأن واهب الحياة حكيم خبير جعل مواد الحياة الأكثر لزوما في ذاته، فكفر الإنسان نعمة الله وأبى أن يعتمد كفالة رزقه فوكله ربه إلى نفسه وابتلاه بظلم نفسه وظلم جنسه وهكذا كان الإنسان ظلوما كفورا. الاستبداد يد الله القوية الخفية يصفع بها رقاب الآبقين من جنة عبوديته إلى جهنم عبودية المستبدين الذين يشاركون الله في عظمته ويعاندون جهارا، وقد ورد في الخبر: )الظالم سيف الله ينتقم به ثم ينتقم منه(، الاستبداد أعظم بلاء، يتعجل الله به الانتقام من عباده الخاملين ولا يرفعه عنهم حتى يتوبوا توبة الأنفة. الاستبداد أعظم بلاء لأنه وباء دائم بالفتن وجدب مستمر بتعطيل الأعمال، وخوف يقطع القلوب، وظلام يعمي الأبصار، وإذا سأل سائل لماذا يبتلي الله عباده بالمستبدين؟ فأبلغ جواب مسكت هو: إن الله عادل مطلق لا يظلم أحدا، فلا يولي المستبد إلا على المستبدين. ولو نظر السائل نظرة الحكيم المدقق لوجد كل فرد من أسراء الاستبداد مستبدا في نفسه لو قدر لجعل زوجته وعائلته وعشيرته وقومه والبشر كلهم حتى وربه الذي خلقه تابعين لرأيه وأمره. فالمستبدون يتولاهم مستبد والأحرار يتولاهم الأحرار، ما أليق بالأسير في أرض أن يتحول عنها إلى حيث يملك حريته، فإن الكلب الطليق خير حياة من الأسد المربوط.