حاول الإخوان من جانبهم وبشتى الطرق فتح ثغرات في القصر الأحمر، وفشلوا في اختراقة لاستبسال أهل الكويت في الدفاع عنه، وعن الشرعية المتمثلة في الشيخ سالم الصباح حاكم الكويت. وأدرك الشيخ سالم الصباح أن عليه أن يرسل في طلب النجدة وأوكل هذه المهمة لفارسين من شمر هما مرشد بن عايد بن طواله الشمري ومرزوق بن متعب بن عبد الكريم الشمري. وبالمناسبة فإن مرشد بن عايد الشمري من رجال الشيخ سالم المقربين وأطلق عليه عبد الله الحاتم لقب الفدائي. وهنا أود أن أبين أيضا أن الشيخ سالم المبارك أرسل مرشد الشمري إلى الأمير عبدالله بن متعب آل رشيد أمير حائل (حكم مارس 1920 حتى أواخر 1920م) لتزويده بأربعين ألف قطعه سلاح بذخيرتها ، ويعد مرزوق بن متعب بن عبد الكريم الشمري أيضا أحد رجال الشيخ سالم المبارك، وكان قد خدم في السابق مع آل رشيد حكام حائل قبل استقراره في الكويت. ويستحق مرزوق المتعب الشمري أن يطلق عليه لقب (الفدائي الشهيد)، فقد افتدى وطنه بنفسه، وسقط شهيدا في موقعة الرقعي في عام 1928مومرشد ومرزوق هما من الفدائيين الذين وضعوا نصب أعينهم الاستبسال في الدفاع عن الأرض والشرعية. وعندما نادى الشيخ سالم المبارك على مرافقيه المقربين وخدامه وعبيده أين الذي سأل والده عن خاله؟ ( كناية عن الهمة والفروسية والإقدام . تقدم مرشد ومرزوق الصفوف وقال كل منهما أنا يا طويل العمر ومرزوق المتعب» هو من مشاهير الرجال ومن الفرسان ومرشد بن عايد الشمري» وهو في قوة الشباب، ومن الفرسان أيضا (1) . وكان لهما ما أرادا فلا غرابة أن يخلدهما التاريخ. وكان لهما ما أرادا، وتمكنا من الخروج من القصر من البوابة الجنوبية مع غروب على الشمس بعد أن امتطيا الفرسين،لم تستطع خيل الإخوان من اللحاق بهما ، ووصلا الكويت سالمين . وابلغا لنه الشيخ أحمد الجابر الصباح نائب الأمير بما آلت إليه الأمور في الجهراء من وحصار القصر. وكان الشيخ أحمد في مدينة الكويت لحمايتها خوفاً من ولا هجوم مباغت للإخوان على الكويت. وقام الشيخ احمد الجابر بدوره وأمر مـ بإرسال سفن شراعية محملة بالرجال والمؤن والمساعدات لتعزيز صمود بـ المحاصرين بالجهراء، وتم تجهيز قوة من حوالي 600 مقاتل أرسلوا بحرا 1 كما أرسلت قوة أخرى عن طريق البر أنيطت قيادتها إلى الشيخ ضاري * وكان الشيخ ضاري ومن بقى معه من الفرسان قد توجهوا إلى الكويت - حيث أعاد من هناك ترتيب صفوفه، واستعد لإعادة الهجوم على الإخوان " وانطلق مع القوة لدحر الإخوان. وفك الحصار عن القصر الأحمر.لعبت حكمة وثبات الشيخ سالم المبارك الصباح دورهما في حماية الكويت. كما لا نغفل عدم الإذعان لمطالب الإخوان واستمامت أهل الكويت في الدفاع عن أرضهم. كما ساهمت التعزيزات التي أرسلت للجهراء في تغير خطط الإخوان. ويمكن أن نضيف أنّ فشل الإخوان في اختراق القصر الأحمر ليومين متتالين وما تكبدوه من خسائر بشرية أدى إلى تثبيط همتهم الأمر الذي جعلهم يقتنعون بفشل غزوهم للكويت . وتم بموجب الصلح انسحاب قوات الإخوان عن القصروالجهراء. وابتهج أهل الكويت لهذه الأخبار المفرحة (94) . وهنا أود أن أشير إلى أن الإخوان أثناء الهجوم على الجهراء أحرقوا عدداً من بيوت الشعر مملوكة لأفراد من قبيلة شمر . وكان ضمن البيوت التي أحرقت بيت الشيخ ضاري نفسه ، وكانت أخته صلفه في داخل البيت (95) . وقد عوضه احد المسئولين الإنجليز بليرات ( نيرات) ذهب وعدد من الشقائق لتفصيل بيت جديد عوضا عن ما تم حرقه . وقد فرز الشيخ ضاري عدد من الليرات الذهبية وأعطاها لمرافقيه من الصليلات تقديرا وتكريما لهم ولأدوارهم، وهنا لابد من الإشارة إلى الصليلات من قبيلة عنزة يعدون من المقربين من الشيخ ضاري بن طواله، والدارس لتاريخ المنطقة يعي بشكل واضح وجلي تاريخ الصليلات الزاخر بالبطولات وبشيم العرب عبر العصور، كما لا يغفل أدوارهم المعروفة والمميزة في الدفاع عن الكويت والسؤال الذي يطرح نفسه ولم أجد له تفسيراً هو ما الذي كان يستفيد منه الإخوان من حرق تلك البيوت المصنوعة من الشعر؟ وكانت تلك البيوت هي كل ما يملكه أغلب الناس في ذلك الوقت وأعتقد جازماً أن حرق البيوت على رؤوس أهلها عمل غير أنساني ولا يعد من شيم العرب التي جبلوا عليها، وإذ إنّ ميدان الوغى والقتال هو ساحات المعارك لا بيوت الشعر.لم يعجب الشيخ ضاري الاتفاق الذي تم بموجبه السماح للإخوان بالانسحاب من الجهراء، وطالب بمطاردتهم ومقاتلتهم. وأشار على أحد الشيوخ من الأسرة الحاكمة بقوله ( عليهم يا طويل العمر وراهم وكان الرد واضحا لا لبس فيه وهو عدم وجود أوامر بمطاردة الإخوان، وهنا قال كلمته المشهورة لجماعته قبل أن يتوجه إلى شمال الجهراء كان الشيخ ضاري شيخا وفارسا ومحاربا من الصحراء، وكان أبناء وشيوخ القبائل معتادين على حروب الصحراء من كر وفر، ويكسبون اليوم ومن الممكن أن يخسروا في اليوم التالي. ويعتقدون اعتقادا جازماً بأن المال مال الله يصبح الواحد فيهم غنيا ويمسي فقيرا ، يوم له ويوم عليه، وتتخذ القرارات الحاسمة في أرض المعركة غير أبهين بالمتطلبات والحسابات السياسيةأما رجال السياسة والحكم فلهم حساباتهم، يدرسون ويحسبون لكل حركة حسبتها لأنهم في نهاية الأمر مرتبطون بسياسيات محلية ودولية لا يستطيعون تجاهلها .لم يذهب دفاع شمر والشيخ ضاري مع أهلهم أهل الكويت سدى. والمتتبع لتاريخ الكويت الحديث والمعاصر يدرك هذه الحقيقة التي سطرت كنموذج للتصدي للمعتدين. وتشير روايات أخرى أن أعداد الإخوان أكبر من هذه الأرقام بكثير وللأمانة والتاريخ هناك أعداد كثيرة من الشهداء في معركة الجهراء وغيرها ممن لم ترد أسماؤهم ضمن قوائم شهداءالكويت. وتكمن أسباب وراء هذا الأمر، ولعل من أهمها :أولا : يعد أبناء القبائل من باديه الكويت أقل الناس اهتماماً بتدوين أسماء من سقط منهم شهيداً .ثانياً: أبناء القبائل لا يستقرون في مكان محدد ويتنقلون عبر الصحراء في بادية الكويت،أنفاسة بعد ثلاث أيام لم يكن مع المدافعين أو المهاجمين) ويمكن ان نضيفثالثاً: أن الذين كتبوا عن معارك وشهداء الكويت استقصوا معلوماتهم من الذين شاركوا في تلك المعارك، فيذكرون الذين يعرفونهم أو سمعوا بهم والذين لا يعرفونهم ولم يسمعوا بهم لا يتم تدوينهم.رابعاً : يمكن القول إن البعض يتهيب من ذكر أسم شهيد له لأسباب منها الخوف من الثأر من الطرف الآخرخامساً : هناك نقطة مهمة تتمثل في اعتقادهم الجازم بأن هذا واجب وطني وجزء من واجباتهم الوطنية الذود عن حياض الوطن وعدم التفاخر به، ولا يعير التدوين أهتماما .لم يتوقف خطر الإخوان بقيادة فيصل الدويش على الجهراء، ولهذا عززت الكويت من تحصيناتها في الجهراء. كما هاجم الإخوان الشيخ ضاري وجماعته الأسلم في حدود 28 يناير 1921 على مقربة من الجهراء. وبعد ذلك عاد الإخوان ادراجهم إلى نجد (98) . وأوضحت السياسة التي اتبعها الشيخ سالم الصباح في تعامله مع الشيخ فيصل الدويش قائد الإخوان في معركة الجهراء بشكل جلي صلابة موقف الشيخ سالم في الدفاع عن أراضي الكويت كافة وليس عن مدينة الكويت فحسب (99) . وتعد معركة الجهراء وبحق من المعارك الحاسمة في تاريخ الكويت إذ حافظت على استقلال الكويت وشرعيتها . وسطر أهلها جميعا بادية وحاضرة، وبجميع مذاهبهم وطوائفهم أروع الصمود والتحدي وقدموا في هذه المعركة مثلها مثل غيرها من المعارك التي خاضوها طوال تاريخهم قوافل من الشهداء وروت هذه القوافل تراب هذا وهـ الوطن دفاعاً عنه وعن شرعيته. لم يؤد انتهاء معركة الجهراء إلى انقطاع صلة الشيخ ضاري بالكويت ، وتوضح المراسلات بينه وبين رجالات الكويت صور الوفاء، وتُمثّل و علاقته بشملان بن علي بن سيف نموذجا لتلك العلاقات.