فكل ذلك من باب الرمز لحصول القرينة بين الدال والمدلول كما سنبينه في الفصل الرابع. ​أما اللغة فهي - في مكوناتها المبدئية - مجموعة من العلامات تترابط فيما بينها ترابطاً عضوياً، ومعنى الارتباط في هذا السياق أن العلامات تحكمها علاقات من التوافق أو التطابق، ​هكذا نفهم الأسس النظرية التي تسوغ لنا ما يتواتر في عرف اللسانيات من اعتبار اللغة مجموعة من العلاقات الثنائية القائمة بين جملة العلامات المكونة لرصيد اللغة ذاتها، وعندئذ نستسيغ أيضاً ما دأب عليه اللسانيون من تعريف العلامة بأنها تشكل لا يستمد قيمته ولا دلالته من ذاته وإنما يستمدّهما من طبيعة العلاقات القائمة بينه وبين سائر العلامات الأخرى. ​غير أن مبدأ القيمة الإخبارية الذي يصدر عن وجود العلاقات يظل متعذراً ما لم تنتظم تلك العلاقات ذاتها انتظاماً يؤهلها لقابلية التصنيف، ​ولعل هذا الأسلوب في تصور علاقة عالم اللسان بموضوع علمه هو الذي جعل رواد بعض التيارات في تعريفهم الظاهرة اللغوية يتوسلون بمفهوم البنية مرجحين بذلك عنصر الهوية العضوية على الماهية الوظيفية، والذي نستبقه - ونحن على درب التنظير المعرفي - هو أن حدّ اللغة بأنها علامات منتظمة قد حتم إرساء مفهوم البنية من حيث هي كل يقوم على ظواهر مترابطة العناصر ماهية كل عنصر ووظيفته وقف على بقية العناصر فلا يتعين أحدها إلا بعلاقته بالعناصر الأخرى. ولكن استعمال اللغة لا يتوقف على معرفة واعية لتلك القوانين، ​لذلك كله اتسق العرف اللساني محدداً اللغة وظيفياً بأنها أداة الإنسان إلى إنجاز العملية الإبلاغية في صلب المجتمع مما يطوع تحويل التعايش الجماعي إلى مؤسسة إنسانية تتحلى بكل المقومات الثقافية والحضارية. ​ولكن لما كانت اللسانيات تنشد منزلة العلم الكلي في تقرير حال الظاهرة اللغوية مبتدئة بالحدث العيني وقاصدة إلى الحقائق الكونية أفلا يتعين على ذوي الاهتمام من المختصين بتنظير الأعماق المعرفية لعلم اللسان أن يتعقبوا تجليات الحدث الكلامي عسى أن يستنبطوا السلك الرابط بين التعريف.