أهداف العقوبة في التشريع الإسلامي 38 1- زجر الناس وردعهم عن اقتراف الجرائم الموجبة لها في تطبيق العقوبة الشرعية زجراً للمتهم ولأمثاله من الإقدام على الجريمة مرة أخرى. وذلك يساهم إلى حد كبير في إضعاف وتقليل نسبة الجريمة؛ وصيانة المجتمع عن ممارسة ألوان الفساد، ومنع وقوع الجريمة أو تكرارها قال الماوردي عن الحدود: «الحدود زواجر وضعها الله تعالى للردع عن ارتكاب ما حظر وترك ما أمر» (4) وقال عن التعازير: العقوبات المفوضة للحاكم وعن الحدود أيضاً: «إنها تأديب واستصلاح وزجر، 4- قطع دابر الجريمة، 5- الجريمة في واقعها ضرر بالنفس وبالمال وبالجماعة فهي وباء فتاك أو نار تقتضي الحصر في أضيق نطاق ممكن للحد من آثارها الفاحشة، وعدم إشاعتها، لذا كان العقاب عليها أمراً لازماً، قال الماوردي: الجرائم محظورات شرعية، ولها عند ثبوتها وصحتها حال استيفاء توجيه الأحكام الشرعية 7- إطفاء نار الحقد والغيظ المضطرمة لدى المعتدى عليه أو أقاربه 2. حفظ النفس 3. حفظ النسل 4. حفظ المال وقد قام بعض علماء الإسلام بالتقسيم التالي لتكاليف الشريعة في قوله: (تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدوا أن تكون: (ضرورية) أو (حاجية) أو (تحسينية) ويعنى بالضرورية تلك الأمور التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا ومجموع الضروريات خمسة وهي: حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل). وإنما كان الدين الإسلامي أحرص على تبرئة ساحة المتهم قبل أن يدان بالجرم الذي اتهم فيه امتثالاً للقواعد العامة التي تقوم على العدل والرحمة في آن واحد من قبيل: (ادرؤوا الحدود بالشبهات). و ادرؤوا الحد عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجاً فخلوا سبيله، واستنقاذهم من الجهالة، خصائص العقوبة 41 تقسم العقوبة في الفقه الإسلامي بعدة سمات كلها لها أصل مستمد من جوهر الشريعة الإسلامية الغراء، تلك الشريعة التي أتت لتكون خاتمة الشرائع جميعها، ومن هنا كانت صلاحيتها للتطبيق في كل زمان ومكان. وتتميز العقوبة الجنائية بعدة خصائص تعبر عن جوهرها وتميزها في ذاتها عن غيرها من كل أنواع الجزاءات الأخرى، ومن بين هذه الخصائص ما يأتي 1. أنها شرعية 2. أنها قضائية 4. أنها جزاء على فعل يعده المشروع جريمة 5. مبدأ تفريد العقوبة أولا: مبدأ شرعية العقوبة 41 عرف الفقيه الماوردي الجرائم بأنها: محظورات شرعية زجر الله تعالى عنها بحد أو ومن خلال هذا التعريف نجد أن الجرائم التي يعاقب عليها حداً هيى محظورات شرعية" أي محرمات وجرائم والشرع الإسلامي هو الذي جرم هذه الأفعال على عقوباتها كذلك، بنصوص من القرآن والسنة واضحة الدلالة لا تحتاج إلى تفسير أو تأويل وهذا ما يسمى في القوانين الوضعية بمبدأ " قانونية الجرائم والعقوبات" أو مبدأ "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص وجرائم الحدود وعقوباتها كلها منصوص عليها إما في القرآن أو السنة أو هما معاً.  فبخصوص النص على جريمة الزنا يقول تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وسَاء سَبِيلاً) (1)  وأما بخصوص الحد أو عقوبة الزاني غير المحصن فيقول تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ) (2). والغامدية اللذين أقرا بالزنا، والمرأة التي اعترفت بزنا العسيف (الأجير) بها (3)  وفي تجريم شرب الخمر يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (5) ، وروي عن رسول الله - - قوله : " كل مُسْكِرٍ خَمْرٌ ، وكل مُسْكِرٍ حرام ،  وحول عقوبة شرب الخمر، روى أبو هريرة قال: أتي النبي -- برجل قد شرب فقال: اضربوه، قال أبو هريرة فمنا الضارب بيده ومنا الضارب بنعله، فلما انصرف، قال بعض القوم أخزاك الله، لا تعينوا عليه الشيطان" (1)  وفي تجريم السرقة وعقوبتها يقول عز من قائل: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ الله وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (2)  وفي البغي والحرابة والردة هناك عشرات الآيات والروايات والأحاديث النبوية التي تنص على تجريم هذه الأفعال وتحدد لها عقوبات خاصة، بل لقد عينت الشريعة العقوبة في جرائم الحدود تعييناً دقيقاً، بحيث لم تترك للقاضي أية حرية في اختيار نوع العقوبة أو تقديرها، حتى يمكن القول بأن هذه العقوبات ذات حد واحد حكماً - وإن كان بعضها يحتمل أن يكون ذا حدين فلا تسمح الشريعة للقاضي أن ينقص العقوبة أو يستبدل غيرها بها أو يوقف تنفيذها كما وردت أحاديث كثيرة تتحدث عن تفاصيل تنفيذ عقوبات الحدود مثل كيفية الرجم والجلد في الزنا أو القذف، وكذلك الأمر بالنسبة لجريمة القتل فقد أكدت النصوص القرآنية الواردة في عدة مواضع (سورة الإسراء، الآية 33 وسورة المائدة، الآية (45) على شرعية القصاص القائم على المماثلة في الاعتداء على النفس وما دونها، أنواعها ومقدارها والنص على هذه الجرائم وعقوباتها في القرآن والسنة لا يؤكد فقط شرعيتها وإنما يشير إلى خطورة هذه الجرائم وكونها اعتداء على ما اعتبرته الشريعة ضرورات لا تتحقق مقاصد الشريعة بالاعتداء عليها. ومن الأهمية التذكير بأن مبدأ "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص" من المبادئ الإسلامية الأساسية والشاملة، وليس فقط بما يتعلق بجرائم وعقوبات الحدود والقصاص والتعزير، يقول عز من قائل: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) (1). وقوله تعالى: رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) (2). ومن خلال هاتين الآيتين الكريمتين استخلص الفقهاء قاعدتين أصوليتين تفيدان معنى واحداً ومضموناً واحداً وهو مبدأ " لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص" أي لا يمكن عد فعل أو تركه جريمة إلا بنص صريح يحرم الفعل أو الترك، فإذا لم يرد نص صريح فلا مسؤولية ولا عقاب على فعل أو ترك، الأولى: " لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود النص، والثانية: " الأصل في الأشياء والأفعال الإباحة (3). فإن المعنى الذي يستخلص من ذلك كله هو أن قواعد الشريعة الإسلامية تقتضي: ألا جريمة ولا عقوبة إلا بنص ويترتب على قاعدة " لا جريمة ولا عقاب إلا بنص "نتائج منها 1. عدم رجعية القانون 45 وهذا واضح في عقوبات الحدود، لكن بعدما نزل النهي وتأكد على لسان الرسول - الذي حرم كل مسكر، فقد أصبح شرب الخمر والمسكرات محرماً ومعاقباً عليه، وكذلك الأمر بالنسبة لباقي جرائم الحدود، بل وغيرها من الجرائم والمعاصي وهذا يؤكد أن الأصل في الشريعة الإسلامية هو أن استحقاق العقاب متوقف على سبق الإنذار به، وأن من يرتكب فعلاً ما أو يسلك سلوكاً ما لا يعاقب على هذا الفعل أو السلوك إلا إذا كان قد سبقه نص تشريعي يوجب ذلك العقاب فقد حرم الله سبحانه وتعالى الجمع بين الأختين في النكاح وقد كان معمولاً به، يقول تعالى: (وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ) (2). وفي الآيتين معاً تكررت صيغة إلا مَا قَدْ سَلَفَ، أما وقد نزل التحريم والنهي فإن المقترف لها ولغيرها مما نهي عنه يعتبر عاصياً يستحق العقاب حداً أو تعزيراً إذا كان هذا الفعل من جرائم الحدود أو التعازير أو الكفارة إذا كان الفعل من معاصي الكفارات. لا يقتصر أثرها على موضع واحد، أو بمعنى آخر إنها وردت لتضع قاعدة عامة لها صفة الشمول، وهذه القاعدة هي أنه لا أثر رجعي للنصوص الجزائية على ما وقع من أفعال سابقة للعمل بها في الإسلام لكن الشريعة الإسلامية تتفق مع أغلب القوانين الوضعية على وجود استثناءين القاعدة عدم رجعية التشريعات الجزائية • . أولهما يتعلق بمصلحة المتهم في حالة ما إذا كان النص الجزائي متعلق بأمن المجتمع ونظامه، قد نزل بمناسبة حادثة الإفك، إذ الثابت الذي لا خلاف فيه أن رسول الله ﷺ حد القذفة، فكأنه طبق النص على وقائع سابقة على نزوله (1) وقد عللوا البعض الذين قالوا بذلك عودة الأثر الرجعي لهذا النص بما ترتب عن الحادث الذي نزل فيه النص من آثار هدامة (2) إلا أن الدكتور محمد سليم العوا، يرفض هذا الرأي ويرى بأن مصدر هذا القول وهم سابق إلى قائله من تتابع الآيات في سورة النور مبينة حد الزني، ثم قصة حديث الإفك وبراءة السيدة عائشة. أما ما أوردته مراجع التفسير، فهو أن ما نزل في شأن السيدة عائشة هو آيات العشر التي تبدأ بقول تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) إلى قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ وذلك ما ورد في كتب السنة الصحيحة وبذلك فإن آيات حد القذف تكون منفصلة في النزول عن آيات براءة السيدة عائشة، وإذا تبين هذا . فالحادثة تقع تتطلب حكماً وينزل النص القرآني أو يأتي الأمر النبوي بالحكم فيطبق عليها، وتطبيق الحكم على الحادثة سبب النزول، لا يقال عنه إنه من رجعية التشريع إلى الماضي أما بخصوص حد الحرابة، فإن ما عليه الجمهور من الفقهاء هو أن آية الحرابة نزلت في العربيين، وهم قوم من عربية - فقد قدم على النبي ﷺ نَفَرٌ مِن عُمْلٍ، فَأَسْلَمُوا، فَاجْتَوَوْا المَدِينَةَ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا إِبلَ الصَّدَقَةِ، فَيَشْرَبُوا مِن أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَفَعَلُوا فَصَحُوا فَارْتَدُّوا وَقَتَلُوا رُعَاتَها، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، وقيل: إن الآية نزلت في قوم من أهل الكتاب قطعوا الطريق وأفسدوا في الأرض، لأنه قطع أيدي العربيين، وسمل أعينهم كما سملوا عين الراعي فنزلت الآية تحريماً للمثلة وتكون الآية قد نزلت بعد عقابهم طبقاً لقوله تعالى : ( وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ) (3) وقد جاءت بحكم جديد ثابت لمثل الرواية الأولى أو الثانية، فإن الآية قد نزلت لعقوبة فعل سابق عليها، ومن ثم يكون لها أثر رجعي وإن كانوا قد أشاروا إلى أن وجود خلاف حول أسباب نزول الآيتين آية القذف والحرابة يدعو إلى الشك في أن الشريعة تجيز الرجعية في التشريع الجنائي وهذا الشك لا مبرر له بالنسبة لبعض الفقهاء لأن الآية قد نزلت بعد عقاب هؤلاء القوم من عكل وعرينه، وقد ورد التصريح في صحيح البخاري ومسند أحمد وسنن أبي داود عن ابن سيرين: " إن ذلك كان قبل أن تنزل الحدود أما فيما يخص آية الظهار (2) ، فهناك اتفاقاً على سبب نزولها وأنها أطبقت على واقعة سابقة، مما يقطع بأن الشريعة تجيز أن يكون للتشريع الجنائي أثر رجعي. لأن الظهار من مسائل الأحوال الشخصية أو أحكام الأسرة، ولا علاقة بينها وبين الأحكام الجزائية حتى يستدل بها عليها وإنما يصح الاستدلال في هذا الشأن بالنصوص الجنائية في الشريعة الإسلامية، أو بالنصوص التي تقرر قواعد عامة وهو رأي الشيخ محمد أبو زهرة كذلك ويرى الدكتور عبود السراج وبغض النظر عن صحة التطبيق بأثر رجعي للنصوص التي وردت في جريمتي القذف والحرابة، لأن ما طبق من قبل الرسول ، المتروكة لولي الأمر كي يحددها حسب إرادته. فلا يُخشى من صدور تشريع جديد فيها يمكن أن يكون له أثر رجعي، حيث يمكن لولي الأمر أن يجد في فكرة سيادة أمن المجتمع ونظامه مبرراً، ليقرر تطبيق النصوص الجزائية على أفعال سبقت صدورها، ومن نتائج مبدأ "لا" جريمة ولا عقوبة إلا بنص "، والنص على عقوبات الحدود والقصاص في القرآن والسنة النبوية وإجماع المسلمين عليها، يجعل منها ضماناً شرعياً لحق أي مسلم ويحميه من تعسف المجتمع أو القضاء ويبث في نفوسهم الخوف من العقوبة التي تنتظرهم، وفي آية أخرى يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وخلاصة القول فإن مبدأ قانونية الجرائم والعقوبات " أو لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص " لم تعرفه التشريعات الجنائية إلا حديثاً حيث أعلن عنه أول مرة بعد الثورة الفرنسية ونص عليه قانون العقوبات الفرنسية سنة 1810م (3)، أما قبل ذلك فكان القضاة يتحكمون في تحديد الجرائم وتعيين عقوبتها، تراعي في تقريره وتوقيعه ظروف الزمان والمكان وشخص الجاني ثانيا: القضائية 52 أو تكون الجريمة المنسوبة إليه متلبساً بها، أو يرضى هو بتنفيذ العقوبة، وصيرورة الاختصاص بتطبيق العقوبات الجنائية (2)- من احتكار السلطة القضائية (2). وقد كانت صلاحيات القاضي قبل الثورة الفرنسية واسعة في مجال التجريم والعقاب، وهذه السلطة التحكمية للقضاة كانت مخلة بالعدالة ومنتهكة لحقوق الإنسان. وأصبح القاضي بعد إقرار هذا المبدأ ناطقاً بالعقوبة فقط، والتي كانت ذات حد واحد في الغالب، ما انعكس بدوره سلباً على مفهوم المساواة والعدالة، ومن ثم طالبت بعض المدارس العقابية بتوسيع صلاحية القاضي ليس في التجريم أو إنشاء عقوبات جديدة لم ينص عليها المشرع أو القانون، وإنما في اختيار العقوبة المناسبة لكل جريمة ومجرم انطلاقاً من العقوبات المنصوص عليها، والقاضي الجزائي هو الذي يحاكم المتهم، أما في الشريعة الإسلامية فمما لا شك فيه أن السلطة القضائية كانت ولا تزال جزءاً من النظام الإسلامي لأن العدل هو الغاية من رسالات الله عز وجل، وإقامة الحق والعدل هي التي تشيع الطمأنينة وتنشر الأمن، وتحفظ الحقوق، القضائي الذي فرضه الإسلام لذلك فقد أجمع المسلمون على مشروعية تعيين القضاة والحكم بين الناس، لما في القضاء من إقامة العدل وإحقاق الحق، ونشر الأمن، وصون الدماء والأعراض والأموال، ورفع التظالم وفصل التخاصم ، بل صرح الفقهاء - كما نقل الماوردي في الأحكام السلطانية بأن أحد واجبات الإمام العشرة • تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين حتى تعم العدالة، وقد تحدثت كتب الفقه والحديث مطولاً عن وظيفة القضاء وصفات القضاة فإن عمل القاضي هنا هو الرجوع إلى هذين المصدرين التشريعيين لإعلان العقوبة المقررة بعدما تكتمل لديه شروط التجريم المعتبرة شرعاً كذلك لأنه لو فعل ذلك فسينطبق عليه قول الله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (1)، لكن النطق أو إعلان العقوبة ليس هو فقط ما يقوم به القاضي في عقوبات الحدود والقصاص، وإنما له دور مهم وأساسي في تحقيق العدالة، فقبل النطق بالعقوبة يقوم القاضي بالتأكد من توافر أركان الجريمة لتطبيق الحد كشهادة أربعة شهود عدول في الزنا، رأوا الفعل في وقت واحد كالميل في المكحلة»، وكذلك إمكانية تخفيف العقوبة وإن كان الأصل عدم تخفيف العقوبة في جرائم الحدود، لأن الحد حق الله تعالى، ويمكن المعاقبة عليها بعقوبة تعزيرية وفي القصاص لا بد للقاضي من التأكد من شروط توقيعه، ومعرفة قصد الجاني لأن عدم القصد يُحوّل فعل القتل من عمد إلى شبه العمد أو القتل الخطأ. وقد يتعذر استيفاء القصاص فتجب الدية، وهذه القضايا يفصل فيها القاضي ويحسم أسباب النزاع فيها بين المتخاصمين، وسنتحدث بعد قليل عن سلطة القاضي في التعازير وعلاقتها بقضائية هذه العقوبات بالإضافة إلى ذلك لديه سلطة تفسير النصوص، إذا وجد غموضاً أو خفاء في دلالتها، إذا كان مجتهداً، وإذا لم يكن مجتهداً فإن عليه أن يأخذ تفسيرها من أحد المجتهدين أو المذهب الفقهي الذي يقلده أو يعتمد تفسير المذهب الفقهي الرسمي للدولة إن مسؤولية القاضي في الشريعة تتجاوز كما قلنا سابقاً - النطق بالعقوبة الحدية أو إعلانها حكماً، لأن تحقيق العدالة وتطبيق أحكام الشريعة على الوجه الأكمل والحقيقي منوط بما يقوم به القاضي من تحر وبحث ومعرفة ظروف وملابسات كل جريمة ودرجة مسؤولية أي مجرم، وعدالة القاضي وصدقه ورغبته وحرصه الشديد على تحقيق العدالة الإلهية في الأرض، لذلك عد الإسلام منصب القضاء من المناصب الخطيرة وعد مسؤولية القاضي جسيمة ثالثا: مبدأ المساواة في العقوبة 56 يقصد به أن نصوص القانون التي تقرر العقوبات تسري على جميع الأفراد دون تفرقة بينهم، فالمشرع إذ ينص في القاعدة الجنائية على عقوبة ما فإن هذه الأخيرة تصبح قابلة للتطبيق على كافة الأفراد الذين ينتهكون هذه القاعدة وقد كان القانون الوضعي حتى أواخر القرن الثامن عشر يميز بين المواطنين في المحاكمة وفي توقيع العقوبة حتى جاءت الثورة الفرنسية فجعلت المساواة أساساً من الأسس الأولية في القانون لا فرق بين رئيس أو مرؤوس، أو بين رجل أو امرأة، وهذا ما أوضحه واكده الحديث الصحيح المروي عنه - عندما، طلب منه أن يعفو عن سارقة من قريش، فصعد المنبر وخاطبهم قائلاً: ": إنما هلك الذين قبلكم، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها إن فاطمة بنت الرسول - ما كان لها أن تسرق لكن الرسول -- بقوله إنما يرسخ في أذهان المسلمين أن حدود الله لا تجب فيها الشفاعة أبداً مهما بلغ شرف المعتدي لأنها من حقوق الله وأن فاطمة ابنته وهو خاتم الأنبياء والمرسلين وقائد الدولة هي والمرأة المخزومية المتهمة بالسرقة سواسية أمام حكم الشريعة، وهناك أحاديث كثيرة تنهى بشدة عن الشفاعة في الحدود أو التمييز بي المسلمين في تطبيق الحدود في سائر العقوبات والمساواة في عقوبات الحدود واضحة لأن الشريعة عينت العقوبة وحددتها، ولا يجوز للقاضي أو الحاكم الشرعي استبدالها بغيرها فإذا اكتملت شروط التجريم أعتد بها شرعاً وجب تطبيق العقوبة المقررة للجريمة دون زيادة أو نقصان، أما في جرائم القصاص فالمماثلة والمساواة واضحة بين العقوبة والجريمة،