مقدمـــــــة: تتسم الدولة الحديثة على أنها دولة قانونية تعمل على إلزام جميع الأفراد بضرورة إحترام وعدم مخالفة القانون سواء في سلوكهم أو في نشاطهم، ويمتد الإلتزام كذلك إلى جميع هيئات الدولة وسائر المرافق العامة، ومن هنا تبرز العلاقة بين مفهوم دولة القانون ومبدأ المشروعية. سنت الدولة العديد من القوانين لضمان إحترام الأشخاص للقانون وإقرار الجزاء لكل مخالف له، وبالمقابل وضعت الدولة آليات لحماية الفرد من تجاوزات الإدارة وتعسفها. حيث تعتبر دعوى الإلغاء إحدى تلك الآليات وهي جوهر الرقابة القضائية على قرارات الإدارة، وتعد من الدعاوى الموضوعية، فهي تهدف من جهة إلى حماية حقوق المدعي ومن جهة أخرى إلى حماية مبدأ المشروعية، فعن طريق دعوى الإلغاء يراقب القاضي مشروعية القرار الإداري ومدى تحقيقه للمصلحة العامة، فإذا تبين له مثلا بأن القرار الإداري مشوبا بعيب ما فيقضي بإلغائه نتيجة لذلك، ففرض المشرع الجزائري على غرار التشريعات الأخرى لرفع دعوى الإلغاء أمام القضاء المختص جملة من الشروط الشكلية المتعلقة برافع الدعوى، بالإضافة إلى الإجراءات والشكليات التي تعتبر شروط عامة لدى جميع الدعاوى من جهة، وشروط موضوعية متعلقة بموضوع القرار محل الطعن بالإلغاء من جهة أخرى، وذلك حتى يتسنى للقاضي إمكانية النظر في الدعوى. ومن هنا وجب طرح التساؤل التالي: كيف نظم المشرع الجزائري دعوى الإلغاء في القضاء الاداري؟ فللإجابة على هذا التساؤل قمنا بتقسيم هذا الموضوع إلى ثلاثة مباحث حيث تناولنا في مبحثنا الأول ماهية دعوى الإلغاء يتبعه المبحث الثاني حول شروط رفع دعوى الإلغاء. المبحث الأول: مـاهية دعوى الإلغاء تعتبر دعوى الإلغاء في الجزائر من أكثر الدعاوى الإدارية انتشارا واستعمالا من جانب المتقاضين، المطلب الأول: مفهوم دعوى الإلغاء يترتب عليها بطلان القرارات الإدارية المخالفة للقانون، وجعلها بمثابة رخصة في يد الأفراد لمواجهة الإدارة وذلك بهدف الإقرار بحقوقهم. الفرع الأول: تعريف دعوى الإلغاء لتوضيح المقصود بدعوى الإلغاء نعمد إلى مختلف تعريفاتها؛ على المستوى التشريعي، القضائي والفقهي. أولا: التعريف التشريعي إلا أنها احتلت مكانة متميزة في المنظومة الدستورية والقانونية، فقد نصت المادة 161 من دستور 1996 المعدل بالقانون 61/10 على أن:" ينظر القضاء في الطعن في قرارات السلطات الإدارية. بما يفسر أن لدعوى الإلغاء أساس من الدستور. وعلى المستوى القانوني عرفت دعوى الإلغاء وجودا على مستوى النصوص سواء في قانون الإجراءات المدنية الملغى، حيث كانت تسمى دعوى البطلان، وذلك في المادة 274 منه، و ذلك في المادة 90 منه، و كذلك في قانون الإجراءات المدنية والإدارية في المواد 801 و901 منه، حيث استعمل المشرع تسمية دعوى إلغاء القرارات الإدارية. ثانيا: التعريف القضائي حيث يكتفي ببيان العيوب التي تشوب القرار الذي تم الطعن فيه من طرف المتقاضي، ويقوم بإلغاء القرار الإداري المطعون فيه أو برفض الدعوى لعدم التأسيس، وهذا ما اتصف به القضاء الإداري الجزائري، سواء في عهد الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا أو مجلس الدولة حاليا. ثالثا: التعريف الفقهي كما عرف سليمان محمد الطماوي دعوى الإلغاء بأنها " الدعوى الـتي يرفعها أحد الأفراد إلى القضاء الإداري يطلب إعدام قرار إداري مخالف للقانون" وعرفها الدكتور عمار عوابدي: " بأنها الدعوى القضائية الإدارية الموضوعية والعينية التي يحركها ويرفعها ذوي الصفة القانونية والمصلحة أمام جهات القضاء المختصة في الدولة للمطالبة بإلغاء قرارات إدارية غير مشروعة" . *ومن خلال كافة التعاريف بالرغم من إختلاف صياغتها إلا أنها أجمعت أن دعوى الالغاء هي دعوى قضائية ترفع إلى جهات القضاء الإداري لإعدام قرار صدر على خلاف ما تقضي به مجموعة القواعد القانونية. وبهذا تكون سلطة القاضي في دعوى الإلغاء سلطة دقيقة ومحددة، أيا كانت الجهة الـتي صدر عنها سواء كانت جهة مركزية، محلية أو مرفقية. الفرع الثاني: خصائص دعوى الإلغاء تتسم دعوى الإلغاء بمميزات معينة، جعلتها دعوى ذاتية ومستقلة بذاتها عن الدعاوى القضائية الأخرى، وقد أدت عوامل كثيرة إلى تكوين هذه الخصائص، منها ما تعلق بطبيعة الدعوى نفسها سواء من ناحية الموضوع أو الأطراف، أولا: دعوى الإلغاء دعوى قضائية فهي وسيلة قضائية لحل النزاعات الإدارية ولحماية الحقوق والمراكز القانونية، ذلك أنه إذا كان هذا الأخير وسيلة إدارية لحل النزاعات وديا، فإن دعوى الإلغاء هي وسيلة قضائية للرقابة على أعمال الإدارة. بذلك فدعوى الإلغاء دعوى قضائية ترفع طبقا لقانون الإجراءات المدنية والإدارية أمام الجهات القضائية المختصة التي تملك سلطة إعدام القرار الإداري المطعون فيه وفقا للقانون وضمن آجال محددة. كما أنها من دعاوى قضاء المشروعية، ثانيا: دعوى تحكمها إجراءات خاصة نظرا لكون دعوى الإلغاء دعوى قضائية الوحيدة والأصلية الهادفة لإلغاء القرارات ا لإدارية غير المشروعة فلا يمكن لأي دعوى من الدعاوى القضائية الإدارية وغير الإدارية تحقيق هدف ونتائج تطبيق دعوى الإلغاء، فتتركز بهذا مهمة القاضي الإداري في دعوى الإلغاء على فحص مشروعية القرار الإداري المطعون فيه بالإلغاء، وفيما إذا كان هذا القرار مشوبا بعيب من العيوب التي تجعله قرارا غير مشروع، ونظرا لما لدعوى الإلغاء من خطورة على إستقرار أعمال السلطة التنفيذية بات من الضروري إخضاعها لإجراءات خاصة سواءا دعاوى الإلغاء المرفوعة أمام المحاكم ا لإدارية أو تلك المرفوعة أمام مجلس الدولة. فتخضع بذلك دعوى الإلغاء إلى عديد من الشروط الخاصة إضافة إلى الشروط العامة الواجب توافرها في أي دعوى قضائية . ثالثا: دعوى الإلغاء دعوى عينية أو موضوعية فان دعوى الإلغاء تتميز بطابعها العيني أو الموضوعي، فهي لا تتسم بالطابع الشخصي أو الذاتي كالدعوى التي يرفعها البائع على المشتري مثلا. أو الدائن على المدين، بل إنها تتميز بالطابع العيني أو الموضوعي انطلاقا من أنها دعوى الغرض منها مهاجمة قرار إداري وليست موجهة ضد المصدر أيا كانت درجته الإدارية. ويترتب على هذا القول أن رافع دعوى الإلغاء وجب أن يهتم من حيث الأصل بالقرار المطعون فيه كوثيقة قانونية ويبرز عيوبه دون الاكتراث بالشخص المصدر للقرار، فله أن يثير مسائل تخص القرار في شكله أو موضوعه، كما له أن يثير مسائل تتعلق بالجوانب الإجرائية أو بشروط القرار . رابعا: دعوى الإلغاء دعوى مشروعية وتستهدف حماية شرعية أعمال الدولة والإدارة العامة أساسـا، كون دعوى الإلغاء من دعاوى قضـاء الشرعية يعتبر عنصر أسـاسي يكسب دعوى الإلغاء الطبيعة الموضوعية والعينية وهي بهاته الخاصية تجعل من النظام القانوني لدعوى الإلغاء يتسم بالمرونة والسهولة في ممارسة وتطبيق دعوى الإلغاء، المطلب الثاني: تمييز دعوى الإلغاء عن باقي الدعاوى الأخرى سبق القول أن المشرع الجزائري خص دعوى الإلغاء في قانون الإجراءات المدنية بما لم يخص به باقي الدعاوى الإدارية الأخرى، وهذا بالنظر ربما لخطورتها ولتعلقها بأحد أهم الوسائل القانونية التي وضعها المشرع بين يدي الإدارة ألا وهو القرار النهائي. وتفاديا لأي تداخل قد يحدث عند البعض بين دعوى الإلغاء وغيرها من الدعاوى الإدارية تعين إجراء التمييز بهدف معرفة هذه الدعوى، لذلك رأينا أنه من المناسب التمييز من خلال الفروع التالية. أولا: دعوى الإلغاء ودعوى القضاء الكامل يمكن التمييز بين هاتين الدعوتين من حيث: 1-من حيث طبيعة الدعوى: تنتمي دعوى الإلغاء إلى القضاء الموضوعي المندرج تحت غطاء الشرعية وتدور المنازعة التي ينظرها حول تحديد المراكز القانونية الموضوعية لأنها تستهدف مخاصمة الأعمال القانونية المشوبة بعدم الشرعية أما دعوى القضاء الكامل فينتمي لقضاء الحقوق الشخصية الذاتية التي تدور المنازعة فيه حول اعتداء أو تهديد باعتداء على مركز قانوني شخصي للطاعن، وتستهدف مخاصمة الأعمال القانونية التي تؤثر على الحقوق المكتسبة للأفراد والمطالبة بالتعويضات . 2-من حيث الهدف: بينما تهدف دعوى القضاء الكامل لحماية الحقوق والإجبار على تنفيذ الالتزامات، الأمر الذي يعجز عليه قضاء الإلغاء الذي يقتصر دوره على قبول الدعوى أو رفضها دون أن يمتلك حق توجيه الأوامر للإدارة للقيام بعمل أو الامتناع عنه. 3-من حيث سلطة القاضي: إن سلطات القاضي الإداري في دعاوى القضاء الكامل واسعة، بينما سلطات القاضي الإداري في دعوى الإلغاء محددة وضيقة . 4-من حيث الجهة القضائية المختصة: أما دعوى التعويض فترفع أمام جهة القضاء الإداري الابتدائي أي المحكمة الإدارية. ثانيا: دعوى الإلغاء ودعوى فحص المشروعية تتميز دعوى فحص المشروعية عن دعوى الإلغاء بعدة مميزات: 1-من حيث الهدف: إن الهدف من إقامة دعوى فحص المشروعية هو البحث والكشف عما إذا كانت الأعمال الإدارية مشروعة أو غير مشروعة فهي دعوى وقائية ، 2-من حيث سلطة القاضي: من حيث سلطة القاضي ففي دعوى تقدير المشروعية سلطة القاضي محدودة وضيقة، 3- من حيث المجال: تتعلق دعوى تقدير أو فحص المشروعية و دعوى الإلغاء بقرار إداري و هذا طبقا للمادة 819 من (ق. إد) ، وجب أن يرفق بعريضة دعوى تقدير المشروعية أو إلغاء القرار الإداري محل الدعوى المعنية ضمن المفهوم المطلق ، حيث أن كل من دعوى الإلغاء و دعوى تقدير المشروعية يعرضان على المحكمة الإدارية إذا كان القرار محليا أو مرفقيا طبقا للمادة 801 (من ق. إد) و على مجلس الدولة إذا كان القرار صادرا عن الإدارة المركزية طبقا للمادة 901من نفس القانون. ثالثا: دعوى الإلغاء ودعوى التفسير تعتبر دعوى التفسير دعوى إدارية بمقتضاها يطالب صاحب الشأن من القضاء المختص إعطاء تفسير للعبارات الغامضة الواردة في القرار الإداري محل دعوى التفسير دون التصريح بإلغائه، 1-من حيث السلطات القاضي. تنحصر سلطات القاضي في دعوى التفسير في حدود البحث عن المعنى الحقيقي والصحيح للعمل القانوني المطعون فيه والمدفوع فيه بالغموض والإبهام فلا يمكن له أن يلغيه أو يطعن في شرعيته، ويكون الإعلان عنه رسميا بواسطة حكم قضائي أما سلطات القاضي في دعوى الإلغاء فتتجسد عما إذا كان القرار المطعون فيه بالإلغاء مشروع أم لا، والحكم بإلغائه او بعدم إلغائه. تهدف دعوى التفسير إلى إزالة الغموض الذي قد يلازم القرار الإداري، بينما الهدف من إقامة ورفع دعوى الإلغاء هو إعدام القرار المطعون فيه. 3-من حيث المجال تقترن دعوى التفسير بدعوى الإلغاء أن كلاهما تنصب على قرار إداري، غير أن دعوى التفسير تبدوا أوسع مجالا من دعوى الإلغاء، رابعا: دعوى الإلغاء ودعوى وقف تنفيذ إن طلب وقف تنفيذ القرارات الإدارية مرتبط بدعوى الإلغاء وجودا وعدما كأصل عام، إلا أن هذا لا يمنع من وجود نقاط اختلاف بين كلتا الدعوتين والتي تتمثل فيما يلي: تعتبر دعوى الإلغاء دعوى موضوعية أي تتعلق بأصل الحق المتنازع بشأنه وإعدام الآثار القانونية للقرار المطعون فيه، بينما دعوى وقف التنفيذ هي تدبير الغرض منها ليس إعدام القرار محل الطعن، وإنما توقيف أثاره إلى غاية الفصل في الموضوع. 2 - من حيث طبيعة الحكم: يتم الفصل في دعوى الإلغاء المرفوعة أمام المحاكم الإدارية وكذلك المرفوعة أمام مجلس الدولة بموجب قرار فاصل في الموضوع إما برفض الدعوى أو قبولها، لا وجود لدعوى وقف التنفيذ خارج أو بدون دعوى الإلغاء، فقبول الأولى متوقف على الثانية بينما دعوى الإلغاء دعوى قائمة بذاتها ومستقلة ولا يشترط لرفعها دعوى سابقة لها. 4- من حيث أجال الفصل في الدعوى. لذا فرض القانون أن يتم التحقيق في طلب وقف التنفيذ بصفة مستعجلة، فهي تتسم بطابع الاستعجال لذا يتم تقليص الآجال الممنوحة للإدارة لتقديم ملاحظاتها، بينما دعوى الإلغاء هي دعوى موضوع يتم الفصل فيها بعد تمكين الأطراف من تقديم طلباتهم ودفوعهم. المبحث الثاني: شروط رفع دعوى الإلغاء وأوجهها فيما يتعلق بشروط قبول دعوى الإلغاء فإن المادة 21 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية نصت على أنه:" لا يجوز لأي شخص التقاضي ما لم تكن له صفة، المطلب الأول: الشروط الشكلية لدعوى الإلغاء وهي جملة الشروط التي يتطلبها القانون حتى يمكن للقضاء الفصل في موضوع الدعوى وفي حالة تخلف أي شرط منها يحكم القاضي بعدم قبول الدعوى، وسنفصل هذه الشروط على النحو الآتي: الفرع الأول: الشروط العامة وتتمثل في الشروط التي يجب توافرها في رافع الدعوى والشروط المتعلقة بعريضة الدعوى. أولا: الشروط المتعلقة برافع الدعوى أما الأهلية فوفقا للأحكام المستحدثة في قانون الإجراءات المدنية والإدارية، فلم تعد شرطا لقبول الدعوى وإنما شرطا لصحة إجراءاتها مباشرة. 1/ شرط الصفة: تعرف على أنها السند الذي يمكن المدعي من أن يطلب من المحكمة البت في جوهر النزاع، فحسب بل يشترط أن تكون الدعوى موجهة ضد جهة لها صفة التقاضي، بمعنى أن تكون الجهة المدعى عليها قد توافرت لها الشخصية الاعتبارية وأهلية التقاضي. 2/ شرط المصلحة: إذ هو الذي يضمن جدية الدعوى التي يرفعها المدعي أيا كانت طلباته. إذ ليس من الضروري أن يكون رافع الدعوى مستندا لحق وإنما يكفي أن يكون الشخص في مركز قانوني خاص أو حالة قانونية خاصة بالنسبة للقرار المطعون فيه من شأنها أن تجعله مؤثرا في مصلحة ذاتية لرافع الدعوى تأثيرا مباشرا. إذ يجب أن تكون مكتوبة2 ومشتملة لبيانات معينة رتب على عدم احترامها عدم قبول الدعوى شكلا، فيما يتعلق بالاختصاص ودفع الجهالة بأطراف الخصومة وضمان حسن سير مرفق القضاء. 3 كما يشترط لقبول أي عريضة مرفوعة في مواجهة الإدارة أن تتضمن على توقيع محام وفي الحالة التي يتقدم فيها المعني بعريضة دون أن تتضمن توقيع محام، فعلى كاتب الضبط - كما هو تنص المادة 41 ق إ م إ: " ترفع الدعوى أمام المحكمة بعريضة مكتوبة موقعة ومؤرخة، تودع بأمانة الضبط من قبل المدعي أو وكيله أو محاميه بعدد من النسخ يساوي عدد الأطراف. مألوف – تنبيهه إلى إلزامية الاستعانة بمحام، وفي حالة عدم استجابة المعني، فإن مصير العريضة هو عدم القبول، الولاية، البلدية، المؤسسات العمومية ذات الطابع الإداري من التمثيل الوجوبي بمحام وذلك وفقا للمادة 827 ق إ م إ . الفرع الثاني: الشروط الخاصة بدعوى الإلغاء أولا: شرط إرفاق القرار المطعون فيه