على طريق التحرير: لا يمكن أن يكون التعليم محايدًا. إذا ما أردنا أن نتخطى التفسيرات الساذجة الشكلية للمهمة الإنسانية للتعليم فإن هذه النقطة يجب أن تكون نقطة الانطلاق نحو التفكير الانتقادي الجدلي. ولأننا نفتقد هذه الروح الانتقادية، فإننا نعجز عن إدراك الدور الحقيقي للتعليم، أو حتى إذا ما أدركنا، فإننا نجعله متخفيا. إننا نميل إلى تجاهل أو إغفال دور التربية - كعمل اجتماعي - وهو الدور الذي سيظل في خدمة الإنسان لتطويعه أو لتحريره. وفي أوقات أخرى، عندما لا يكون ثمة مناص من الاختيار بين التعليـم كعملية للتأهيل والتعليم كعملية للتحرر، فإننا نبحث عن سبيل ثالث لا وجود له أصلا. إننا نعلن أن التعليم عملية محايدة تستهدف نفسها وكأنها ليست ضرورة إنسانية، وكأن الإنسان لم يكن مخلوقا بشريا له جذوره في التاريخ، وكأن صدفة الغالية لعملية التعليم ليست عملا يقرر عدم الالتزام بحيادها. وبالإضافة إلى كل ذلك فإن كل ما نفعله كي نؤكد هذا الحياد هو اختـيـار التطويع الذي ما نلبث أن نطمس معا8ه ونخفيه. فالتعليم المحايد لا يمكن في الحقيقة، أن يوجد. ومن الأمور الأساسية أن نعرف أننا عندما نعمل في مـحـتـوى ا8ـنـهـج التعليمي، وعندما نناقش الطرق والعمليات التعليمية، وعندما نخطط نرسم السياسات التعليمية، نكون منغمسf في أعمال سياسية تنطوي على اختيار أيديولوجي، وسواء كان هذا الاختيار غامضا أو واضحا، فليس ذلك بالأمر ا8هم. ولكي نعترف بأن التعليم المحايد غير حيوي فإن ذلك يستلزم أسلوبا من التفكير الانتقادي ومن إدراك الحقائق، كما يتطلب “ارسـة مـسـتـمـرة ومتزايدة لهذا اللون من التفكير الذي يهذب نفسه باستمرار ساعيا دائما إلى التغلب على التفكير ا8ضاد، وهو ذلك الأسلوب الساذج من التفكير. إن هذا الأسلوب من التفكير الانتقادي هو الذي يحتاج إلى أن يتخطى ا8ظاهر الخادعة باحثا عن سبب وجود الحـقـائـق، وعـن الـعـلاقـات بf الحـقـائـق اخملتلفة التي تنتظم في مجموعها تحت حقيقة واحدة. ومع ذلك فإن تأكيد أن التعليم محايد ليس حيويا، يجب ألا يقف فقط عند مستوى إدراك هذه الحقيقة، إذ إن مجرد الوعي بها لا يعني ا8عرفة الـتـامـة بـهـا. بـل إنـه مـن الضروري أن ننفذ داخل الواقع الذي تكـون الحـقـيـقـة أحـد أبـعـاده، وبـهـذا ‘كن، عن طريق ا8عرفة الدقيقة لهذه الحقـيـقـة وعـن سـبـب وجـودهـا، أن نرتقي ونسمو بهذه الفكرة. والقارىء 8ثل هذا الجزء من أفكار فرير، مقارنة با8درسة النقدية كما عرضنا لها من قبل، يستطيع أن يلمس مايقرب من التطابق ولعل ا8ثال الذي يسوقه لبيان زيف دعوى حيادية التعليم، تؤكد هذا الهدف الذي كثـيـرا مـا نسمعه، وهو أن العملية التعليمية يقصـد بـهـا (صـيـانـة الـثـقـافـة) الخـاصـة باجملتمع، ذلك أن العقل الانتقادي يرى في عبارة (صيانة الثقافة) تعـبـيـرا غامضا ومبهما ويخفي وراءه شيئا يـحـتـاج إلـى إيـضـاح. وحـقـيـقـةالأمـر أن غموض تعبير (صيانة الثقافة) ‘كن التعبيـر عـنـه ƒـا هـو أكـثـر دقـة بـأنـه تخليد لقيم الطبقات ا8سيطرة التي تنظم التعليـم وتـقـرر أهـدافـه، فـبـهـذا ا8عنى يقوم التعليم ا8نظم بتشكيل البناء العلوي، ويحـافـظ عـلـى الـتـركـيـب الداخلي الذي أوجده، ومن هنا يصبـح حـيـاده غـيـر حـيـوي وعـنـدمـا يـوجـه التعليم نحو هذا الاتجاه وهو صيانة الثقافة - ولا يكون ا8ربون دائما عـلـى درجة من الوعي بهذا الأمر - فإن وظيفـتـه تـنـحـصـر فـي مـلائـمـة الأجـيـال الجديدة للنظام الاجتماعي الذي يخدمه التعليم، وهو النظام الذي ‘ـكـن إصلاحه ويجب تجديده ليكون متمشيا مع روح العصر، ولكنه لا يتغير تغيرا جذريا. إن نقطة الانطلاق من هذا التعليم للتطويع، وهي النقطة التي تتطـلـب إبعاد ا8نطق عن الفكر، يجب أن تكون مـن ا8ـنـطـق ا8ـوجـود بf الـعـقـل أو ƒعنى ا^خر من العلاقة بf الإنسان والعالم، ومن العجيب أن نـلاحـظ أن محاولة تلخيص الفكر من سيطرة ا8نـطـق ومـن الـهـبـوط بـه إلـى مـسـتـوى البساطة والسذاجة يجب أن يكون لها ذلك ا8صدر الأساسي ا8ـوجـود فـي القوى الجدلية التي هي أساس التعليم وقاعدته. وليس هناك مـهـرب لأي من هذه الأشكال ا8تضاربة من التعليم أو العمل الثقافي من ا8نطق الواعي، رغم أن “ارستها متعارضة 1اما مع هذا ا8نطق. وبناء عليه فإن التعليم أو العمل الثقافي من أجل التطويع محتم عليه أن يفصل العقل الواعي عن العالم، وأن يعتبر العقل الواعي مـكـانـا فـارغـا داخـل الإنـسـان يـجـب مـلـؤه ƒحتويات. وهذا الانفصال الذي يؤدي إلى اعتبار العقل الـواعـي والـعـالـم كيانf منفصلf متضادين يتضمن انتفاء القوة الانعكاسية للعقل الواعي، التي تتحول إلى هذا الفراغ الذي أشرنا إليه، والواقع أن (العالم) و(العقـل الواعي) ليسا متضادين، بل إنهما مرتبطان منطقيا داخل وحدتهما الأساسية الأصلية ومن أجل هذا فإن الصدق ا8وجود في أحدهما يكتسب عن طريق الا^خر، فالصدق لا ‘نح بل يفتح الا^فاق لنفسه ويصنع نفسه. إنه اكتشاف وابتكار في وقت واحد. إن “ارسة نظرية ا8عرفة وا8نطق في العمل الثقافي أو التعليـمـي مـن أجل التطويع يفصل التعليم عن التعلم، العلم عن العمل، التفكير عن التطبيق، التلقf عن الصياغة، استعادة ا8علومات ا8وجودة عن خلق معلومات جديدة، وفي هذا اجملال تصبح ا8عرفة هي تقبل ا8علومات، أو (تكديسها). وهكذا فإن شكل الفعل يتسم - ولا يفقد هذه السمة - بأنه مجرد عملية نقل ا8علومات، وفي هذه العملية ينقل ا8علم، أي الفرد الذي يعلـم ا8ـعـرفـة ا8وجودة لديه إلى ا8تعلم، وهو ذلك الفرد الذي لا يعلم. وفـي أثـنـاء هـذه ا8مارسة تكون ا8عرفة مجرد حقيقة وليست عملية دائمة تستلزم تدريب البشر. وفي هذه الفلسفة الخاصة با8عرفة وا8نطق لا يوجد هدف محدد، ولكن معرفة تامة ‘تلكها ا8علم، وعليه أن يحول، ويوصل، و‘د، ويعطي، ويناول هذه ا8عرفة التي ‘لكها إلى ا8تعـلـم (الجـاهـل)، وبـهـذه الـطـريـقـة تصبح الصفة الإيجابية للعقل والفكـر، عـنـدمـا يـكـون هـدفـه هـو اجملـتـمـع البشري، صفة سلبية. إن هذه الصفة الإيجابية هي التي توضح من ناحية قدرة الإنسان على (إعادة معرفة) ا8علومات ا8وجودة فعـلا، ومـن نـاحـيـة أخرى قدرته على ابتكار معلومات جديدة. والتعليم من أجل التحرير عكس التعليم من أجل التطويـع. إنـه خـيـالـي متفائل بكمال بشري، ويسعى إلى السعادة. هو عمل للمعرفة ووسيلة لتحويل الواقع الذي يجب أن يحقق ذاته. إن بؤرة الانتباه لفلسفـة الـفـكـر وا8ـنـطـق تتغير جذريا من إنسان إلى ا^خر من الألوان ا8تعارضة لـلـتـعـلـيـم أو لـلـفـعـل الثقافي.