لقد تعززت نظرية التبعية القديمة والجديدة إلى نسق سلوكي دولي عقب نهاية الحرب الباردة أكثر كنسق سلوكي تفاعلي بين الشمال والجنوب بالرغم من افتقارها للقدرة على التنبؤ أو التوقع، ولكنها استمرت كنسق سلوكي بين الدول وجزء من تبدلات وتغيرات القوة التي هيمنت على السلوك الدولي في العقد الأخير من القرن الماضي. ونسق التبعية يهتم بتفاعلات دول الشمال مع الجنوب ولا يرتبط كثيرا بنوعية القوة القطبية، لأن دول الشمال الصناعي المتقدم تسعي داخل أو خارج القوة إلى تأمين مصالحها وزيادة مساحة مناطق نفوذها ومن ثم الهيمنة على مقدرات الجنوب والذي يمثل حوضا للمواد الأولية وسوقاً استهلاكياً كبيراً يستوعب منتجات الشمال الصناعي. وان استمرار تصنيف دول العالم من دول متقدمة ومتخلفة وغنية وفقيرة وقوية وضعيفة، ودول ديمقراطية وغير ديمقراطية يعمق يومياً علاقات التبعية كنتيجة موضوعية لطبيعة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وتدهور البيئات السياسية والأمنية ، الأمر الذي عمق بدوره روابط التبعية بين العالمين. بمعنى علاقات قائمة على سوقين متوازين سوق إنتاجي وسوق استهلاكي،ولقد تمظهرت معالم السلوك التبعي لدول الجنوب للشمال من خلال اتجاهات ما تم تعريفه في أدبيات التبعية بالمركز الصناعي أو الرأسمالي بإعادة تشكيل مقومات الأسواق العالمية للعمل والإنتاج والخدمات. كما يشير إلى ذلك سمير أمين وذلك تحت تأثير ثورة الاتصالات والمعلومات والعلوم الدقيقة والتحالف الناتو - تكنولوجي - الرأسمالي، وأن هناك عدد من الصناعات في العالم المتقدم لم تعد بعد مرغوبة منه نظراً لدورها في التلوث البيئي ومتطلباتها العالية للأيدي العاملة، وليس لها قيمة مضافة إلى اقتصاد الشمال باعتبار أن الشمال تخصص في اقتصاد المعرفة والعلوم وتخليقها من الالكترونيات الدقيقة إلى الهندسة الوراثية وعلوم الاتصال والفضاء ، وهذا التطور في اقتصاد الشمال حتم عليه تسريع دورة التبعية مرة أخرى لصالحه من خلال نقله لتلك الصناعات الضارة بالبيئة وإعادة توطينها في الجنوب ولكن بشرط أن تديرها الشركات المتعددة الجنسية في اقتصاد دول الأطراف.هذا بدوره يعيد سلوك التبعية كلما احتاجته اقتصاديات الشمال لكي يشكل جزء من التفاعلات الدولية . وهنا وجب القول أنه إذا كانت هناك مشكلة تتمثل في التخلف والتنمية في دول الجنوب فإن مصدرها يتجدد، بمعنى من خلال مراحل الاستعمار، والرأسمالية وسيطرتها على أحواض المواد الأولية ، والآن من خلال إعادة توطين صناعات الخردة في دول الجنوب لكي تستمر روابط التبعية لصالح الشمال بحجة إعادة ترتيب سوق العمل الدولي . تقوم تفاعلات نسق التبعية منها الاقتصادي أو السياسي على أن دول الشمال الغني في أمس الحاجة إلى دول الجنوب ومواده الأولية وسوقه الاستهلاكي من خلال تفاعلات إكراهية فنية ووظيفية وقانونية بحيث يظل الجنوب في نسق سياق التبعية وبشكل مستمر .ويمكن القول أن بروز نسق التبعية بدأ عملياً في أمريكا اللاتينية لاسيما في بداية الستينيات من القرن الماضي، وأنتشر فيما بعد إلى كل من آسيا وإفريقيا، وقد تحول نسق التبعية كسلوك تفاعلي بين الشمال والجنوب لوصف طبيعة التفاعلات بينهما بحجة مساعدة الجنوب في مسألة التخلف والتنمية والفقر، والتي أكدت بأن سبب التخلف يكمن في داخل الجنوب وفي مقابل هذا ركز نسق التبعية على العامل الخارجي كعامل أساسي في تخلف البلدان. إذا نحن اليوم أمام نسق أخر من أنساق التفاعل الدولي يعمل بفعالية نسقية وسلوكية حتى في ظل تبدلات القوة وهيكلها بعد الحرب الباردة وتداعيات العولمة.