عادت النعامة ماكو راكضةً باتّجاه المكان الذي تَرَكَت فِيهِ حوجًا والصَّبِيَّ. فكرت بالاسم الذي ستُطلِقُه عَليه. كانت قد فعلت ذلكَ منذُ أَنْ وَجدَتِ الطفل في الرَّمْلِ. فليسَ هُناكَ حَيَوانٌ أَسْرَعُ مِنها سوى الفَهْدِ حاسَةُ النَّظَر لديها جيّدة أيضًا. لَيْسَ هُناكَ تَعَالَبُ فِي الجوار الآن. ليس هناك أسود ولا فهودٌ صَيَادةً. ازداد توقها كُلّما اقتربَت مِنَ المكان الذي تَرَكت فيه حوجا والصبي. إنهَا تَشْعُرُ بذاتِ الفَرَح الذي تَشْعُرُ به عادَةً عِندَما تقتربُ مِنَ عُشَ مَلِيءٍ رَكَضَت بخطوات طويلة باتجاه الواحة التي غير أنها لَمْ تَكُنْ تكترث لتلك السرابات التي كانت تبدو كمستنقعات ماءٍ ضخمة لامعة وسط الرمال. لَفَتَ نَظَرَها فَجْأَةً نَسْرٌ مَشؤومٌ كَانَ يَحومُ فِي حَلَقاتٍ تَضِيقُ فِي السَّماء تدريجيا. النسور تحومُ دائما بهذه الطريقة إذا كانَت تَنتظِرُ مَوتَ أَحَدٍ ما. عِندَها رأت كُتلةً سوداء على الأرض، كتلةً سَوداءَ هامِدةً بلا حَرَكَةٍ. دَبَّ الدُّعرُ في قلبها فرَكَضَت بِسُرِعَةٍ بِاتِّجَاهِ تِلكَ الكُتلة. تَنَفَّسَتْ بِصُعوبةٍ ولَكَرَتهُ بِمنقارها. دَفَعَت بقدمها وجعلته ينقلب ليستلقي على ظهره. عِندَها رأت حَرَكَةً صَغِيرةً، فتح بعد ذلكَ فَمَه قَليلاً وأَعْلَقَه ثم رَفَعَ الصَّبِيُّ يدَه قَليلاً ووَضَعَ إِلهامه في فَمِه. لم تتمكن مِنَ تَذَكَّرِ البقية فيما بعد. أن وهكذا حَمَلَتهُ بحذر فائق حتى لا يقع، وسارت به إلى النَّبْعِ الذي كانت قد وَجَدَتَهُ لتوها. عِندَما وَصَلَت إِلى النَّبِعِ تمددت على الأرضِ ودَفَعَت بِالصَّبِيِّ إلى حافة الماءِ. رأته مُمَدِّدًا على بطنه وكأنهُ مَيِّتُ، ثم أحنى رأسَهُ تِجَاهَها. هذا ما حَدَثَ للعديد مِنْ صِغَارِها الذين أوهَنَهم العَطَشُ. سَتُصبح هذه الحادثة الذكرى الثانية التي سيحتفظ بها الطِّفْلُ في ذهنِه. سَوفَ يَتذكَّرُ طَوال حياتِه تِلكَ المَرَّةَ التي أَتَتَ بها أُمُّه وأيقظَته مِنَ النَّوم بمداعبتها له بوساطة جَناحِها. الصورة التاليةُ التي سَتَحِلُّ في ذهنِه هي صورته وهو مُمَدَّدٌ على الأرضِ غارِسًا يديه في الماءِ الَّذِي رَاحَ يَشرَبُ منه. لَمْ يَسِبِقٌ له قَطُّ أن تذوّقَ شَيْئًا هذهِ اللذة وهذهِ العُذوبة. أرسَلَتْ ماكو الإناثَ الشّاباتِ لتحضر حوجًا إليها. تظاهرَ بأَنَّهُ لَم يَرَ الصَّبِيَّ وسارَ إلى الماءِ ليَشرَبَ لمدة دقائقَ متتالية. كان خائِبَ الأَمَلِ بِسبَبِ نَجَاةِ الصَّبِيِّ . لكِنَّهُ سَيُرضي ماكو حينَ يَجِدُ مَكَانًا يبني فيهِ عُشَّا لهما؛ عندئذٍ ستضعُ ماكو بَيْضاتٍ جديدةً، وسيؤدي هذا إلى حصولهما على صغارٍ جُدُدٍ. بعد ذلك ستنسى ماكو بالطبع ذلكَ الطِّفْلَ البشري العديم الفائدة، أكلت الإنار لكنها لم تستطع تناوله. أرادت أنْ تُحاولَ التَّحَدُّثَ إلى الصَّبِيِّ مَرَّةً أخرى. تمددت على الأرضِ وراحَتْ تتأمَّلُهُ حَيْثُ كانَ يجلسُ بالقُرْبِ مِنَ النَّبِعِ حَاوَلَت أَن تُرَكزَ ذِهنَها كُلِّيا. » قال الصّبِيُّ بوضوح. تكلَّمَ كَما تتكلَّمُ طيورُ النَّعامِ، إِذْ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا بِفمه ولم يَنطِقُ بِأَيِّ عليك اسم حَسَنٍ، كانَ المَكَانُ مرتفعًا بَعْضَ الشَّيْءِ، عاد أخيرًا إلى السرب. كانَ هَدّارةُ نائمًا بِعُمقِ وقد كوّرَ جَسَدَه، في ظِلالِ شَجرةٍ. نال العُشُ إعجاب ماكو. راحت ماكو بعد ذلك تبيضُ في هذِهِ الحَفْرَةِ، ولأشهر متتالية. الديدان، الخنافس، كانَت تَشْعُرُ بازديادِ الفَرَح معَ كُلِّ بَيضةٍ تَبيضُها، لكن قلقها على حوجٌ كانَ يرقدُ فَوقَ البَيضات في أثناءِ اللَّيلِ. تفرِدُ عندَها جناحيها فَوْقَ هَدارَةَ لِتحميه مِنَ البَردِ القاتِلِ. ثلاثة أحداثٍ وَقَعَت وغَيَّرَت مَجرى حَياةِ هَدارَةً. وَقَعَت الحادثةُ الأولى في يومِ مِنَ الأَيَّامِ عِندَما قامت ماكو مِن مَكانِها كعادتها وتَرَكَتِ البَيضاتِ لِمَصِيرِها لِمُدّةٍ وَجيزةٍ. كان لا بد لماكو من أنْ تَبحثُ عن بعض الطَّعام الذي تسدُّ به جُوعَها. تُعدُّ النُّسورُ المصريّةُ مِنَ الدِّ أعداءِ طُيور النعام؛ بالرغم من أنها تَعجَرُ عن نَقرِ ثقب في قشرة بَيْضَةِ النَّعَامِ إلا أنها قد توصلت إلى طريقةٍ تُمكِّنُها مِن قَبْلِ الحَياةِ الموجودة داخِلَ البَيضَة والنماء مِنَ محتوياتها اللذيذة. رأى هَدارةُ الآن تلك الطريقة دُونَ أن يستوعب ما رآه. انخفض نسر إلى مُحاذاة الأرض والتقط حَجَرًا بِمنقاره، أَصابَ الحَجَرُ إحدى بَيضاتِ النَّعامِ ما أدى إلى كَسرِها على شكلِ فَتحةٍ مُستديرة. لَكِنَّهُ رأى حينَ لَوْحَ عِندَما غادَرَت ماكو عُشَّها في يوم آخرَ أَتى أَحَدُ فُهُودِ الصّحراء النادِرَةِ مُتسللا. شَمَّ رائحةَ البَيضاتِ اللّذيذةَ وَراحَ يضربها ببراثنه، حَاوَلَ الفهدُ أن يَعُضُّ على البَيضَةِ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ كَسرِها بأسنانه لكنَّ حَجمَ البَيضَةِ كَانَ ضَحَمًا جِدًّا. لَمْ يفعل ذلك لحماية البيضاتِ، بلْ أرادَ أنْ يلعب معَ الفَهدِ. عندما اقتربَ مِنه الوَلَدُ. هذه المرحلة هي الأخطرُ في حياة صغار النَّعام. العدو الأكبَرُ لهم هو الغُرابُ أتَتِ الغربانُ بكثرة تجعلها تبدو كغيمة كثيفة قَبْلَ أنْ تُحطَّ بالقُرْبِ مِنَ الصِّغَارِ الذين خرجوا مِنَ البَيضِ حَدِيثًا. كان ذكرُ النَّعام حوج قد رأى الحوادث الثلاثةَ. حَيْثُ كانَ الفَرْخُ الأخيرُ يَزْحَفُ خارجَ البَيضَةِ التي تكونُ داخلها، وحيثُ كانَ هَدارَةُ يجلسُ بالقُرْبِ مِنَ العُشْ كعادته، رأى حوج أفعى ذاتَ قُرون. زَحَفَتِ الأفعى فَوقَ الرِّمالِ باتِّجاهِ هَدّارةَ. كانت تزحفُ على جَنبِها كَما تفعلُ جَمِيعُ الأفاعي ذاتُ القرونِ. ضَحِكَ هَدّارةُ، وَقَفَ ثم راح يسير باتجاه الأفعى. كان يريدُ أن يمسك بها ليلعب معها. لكنْ عِندَما اقتربَ الوَلَدُ مِنَ الأفعى، وعِندَما تَشْعُرُ بالأَمانِ، هذه الطريقة تجلب الأفعى السحالي إليها. رأى هَدارَةُ مؤخّرة الذيل التي ظَهَرَت لِلعيانِ مِن تَحتِ الرَّمل. انحنت بعد ذلك لتجمع قواها وتنقض بسُرْعَةٍ على الصَّبِيِّ وتَعْرُزُ خطا خطوتين سريعتَينِ تجاهَهُما وقتل الأفعى بِضَربةٍ واحدةٍ مِنْ مِنقارِه. حالما تأكد من أنّ الأفعى ماتت حقًّا، بَحَثَ طَويلا حتَّى وَجَدَ نبتةً لها أوراق سميكة جدا.