نشأت ارتبطت نشأت الأدب و هكذا خصائص النقد في كل حقبة تاريخية تعكس خصائص الأدب شعرا ونثرا في تلك الحقبة ‏أن من أبرز ميزات الشعر في العصر الجاهلي أنه شعر غنائي ومن ادق الملخصات المحددة للخصائص الشعرية العربية والنقد العربي في العصر الجاهلي ما ذهب إليه الدكتور مشري بن خليفة في محاضراته نقد العربية القديم في جامعةورقلة نوردها لأهميتها وإبرازها الشفوية التي ميزت الشعر والنقد معا ‏أولا خصائص الشعرية العربية الشفوية 1- البيتية : البيت هو الوحدة الأساسية تناظري كب نا مع تعدد الأغراض 2-الوزن والقافية:(تماثل) الوزن، التفعيلات 3: المعنى المسبق: أي مخاطبة جمهور عارف بالمعاني:مثلا معاني المديح ومعاني الهجاء المتعارف عليها 4-السماع: يأتي بصورة واضحة لأنها تتلقى عن طريق السماع 5-الانشاد : خاصية يؤثر من خلالها الشاعر بال متلقي عن طريق البيتة والوزن والقافية 1- الشفوية 2-التجزيئيه: يركز على بيت معين قد يعجب الناقد وزن معين أو بيت معين 3-الاستحسان والاستهجان: إنطباعي 4-غيرمعلل : حسب ما يتلقى(سماعا) ليكون هنالك تواصل ولا بد أن يقدم عناصر من البيئة المعاشة 5- الإيجاز ‏وقد كان النقد نقدا مبين على الذوق الفطري مثل نقد طرفة من العبد للمتلمس بعد قوله ‏فقد قال طرفة إستنوق الجمل ، ‏ وكما يبدو هذا النوع من النقاط يخص اللفظ ومعان جزئية بينما يخص نوع آخر المفاضلة بين الشعراء مبينا عيوب ومزايا كل منهم إلى جانب نوع ثالث في الحكم على القصائد بوضعها في مكانة عالية من حيث الجودة بوصفها خير القصائد ‏وكما يبدوا هذا النوع من النقد يخص ألفاظا ومعان جزئية، بينما يخص نوع آخر المفاضلة بين بوصفها خير القصائد "10، ويمكن الإشارة أخيرا إلى أن النقد لم يكن مبنيا" على قواعد فنية، ولا على ذوق منظم ناضج، على أنّا نرى أنه كان تابعا للشعر فالشعر كان إحساسا أكثر منه عقلا وكان النقد كذلك (. وكما ينفعل الشاعر بعواطفه فيشعر، وكلاهما بدائي ساذج، هذا في أدبه، للوصول إلى النضج من أولئك زهير بن أبي سلمى، وسمى قصائده الحوليات (كان يطيل فيها لأن الشاعر بطبعه الأكثر إحساسا بالشعر والأقدر تذوقا للشعر، والقادر على التمييز بين القبح والجمال"13، وقد كان ارتبط النقد بحياة البادية، إذ من هنا وجد النقد الأدبي في الجاهلية ، ملائما للشعر العربي نفسه، فالشعر الجاهلي إحساس محض أو يكاد، والنقد كذلك، الانفعال والتأثر "14. أول ما يمكن الإشارة إليه أنه يروى أن العرب كانت لهم أسواق" يجتمعون فيها ويتناشدون وعلى الأخص سوق عكاظ، بعضهم على بعض، ومن خصائص النقد في العصر الجاهلي كما ذكرنا سالفاً - العفوية والاعتماد على الذوق؛ أمثلة ذلك : 1- كان النقاد يؤاخذون النابغة على الإقواء في شعره ( الإقواء : المخالفة في حركات الروي في من ذلك قول النابغة : زعم البوارحُ أن رحلتنا غدًا عجلان ذا زاد و غير مزود وقد أراد النابغة هنا التوديع و التسليم، و ما لبث أن غير الروي16. واحتكما إلى أم فللسوط الهوب و للساق درة فجهدت فرسك بسوطك في زجرك و مريته فأتعبته بساقك، فأدركهن ثانيًا من عنانه فأدرك فرسه ثانيا من عنانه، لم يضربه بسوط و لم يتعبه "17 ، و كل هذه الآراء والأحكام بسيطة؛ والإحساس الساذج. -3- آخر مثال نسوقه يشير إلى صور التفاخر من الشعراء بأشعارهم والتنافس فيما بينهم، إذ يعرضون شعرهم على المحكمين للقضاء بينهم ، وعمرو بن الأهتم و عبدة بن الطيب والمخبل السعدي تحاكموا إلى ربيعة بن حذار الأسدي في وكان من عقلاء العرب و حكمائهم، فقال للزبرقان : " أما أنت فشعرك كلحم أُسْخِنَ لا هُوَ أَنْضِج فأكل ولا تُرك نيئًا فيُنتفع به ، فيها البصر ، وأما أنت يا مخبل فإن شعرك قصر عن شعرهم و ارتفع عن شعر غيرهم وإن كانت هذه الأحكام تفتقر إلى الدقة؛ فيكفي أنها تعبر عن تأثر بالشعر، خَرْزها 18 يعتمد على سليقة العربي في تذوقه للشعر، بعيدا عن التفحص والتمعن والتعليل هذا الأخير الذي بدأ يتبلور شيئا فشيئا مع مجيء الإسلام والتحول الكبير الذي أحدثه في الحياة العربية. الحياة الجاهلية ارتكزت على العصبية القبلية، الإسلام هذا الدين الحنيف الذي قضى على الوثنية، فارتقى بعقل الإنسان إلى جانب القيم الاجتماعية التي جعلت العرب يتعرفون على حياة جديدة أساسها الأخوة والتعاون على البر، وهذا التحول انعكس على الحياة وقد وقف العرب مندهشين أمام بلاغة القرآن الكريم، و إن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق وإنه يعلو ولا يعلى عليه"22، وأمام هذا نعرض رأي الإسلام في الشعر والشعراء. يقول تعالى في الذكر الحكيم (وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلَّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) 23 فمن الواضح أن القرآن الكريم " يهاجم شعراء المشركين الذين كانوا يهجون الرسول ويثبطون عن دعوته ، فالاستثناء في هذه الآية القرآنية يفصل بين الشعر الصادر عن المشركين الذين يحاربون الله ورسوله، وبين ما صدر عن وإن كان القرآن الكريم لم يدع المسلمين إلى الابتعاد عن الشعر تماما؛ فإنه نفى عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قول الشعر من ذلك قول تعالى : ( وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِعْرَ وَمَا إن الآيات الأولى "لا يصح الاستدلال بها على كراهية القرآن للشعر ، لأن القرآن لم يكره الشعر من حيث هو ، شعر ، وإنما يكره شعرًا معينا ويكره شعراء بعينهم وهم الذين يؤذون الرسول والمؤمنين وأما الشعراء الذين دافعوا عن الإسلام، وذادوا عن حوضه وترسموا الأخلاق الفاضلة والقيم العالية فهذه الطائفة التي يجلها القرآن "26. النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشعر لما غلبوا وتبين عجزهم (. هيبة الشعر و فخامته (. أي لتقيم عليكم الحجة ويصح قبلكم الدليل، ويشهد لذلك رواية يونس عن الزهري أنه قال معناه ما الذي علمناه شعرا وما ينبغي له أن يبلغ عنا شعرا . وقال غيره أراد وما ولو أن كون النبي صلى الله عليه وسلم غير شاعر غضّ من الشعر فكانت أميته غضا من الكتابة "27. معا، ذلك أن الشعر المقبول مرتبط بشرط نصرة الحق، ثم أن تنزيه الرسول الكريم عن قول الشعر، ليس فيه أي شكل من تكريه الشعر كما اتضح مما ورد في العمدة، كتاب الله العزيز الذي وقف أمامه العرب ، وقد عكف الناس عليه " يتدبرون معانيه ويتدارسون ، آيه ويتخذون منه مثلا فريدا في التعبير والتصوير ويتزودون من أساليبه الراقية وصوره المثلى ومعانيه السامية، ولتفصيل موقف الدين الحنيف من الشعر نعرض رأي الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وقد وسلم أنه قال : " إنما الشعر كلام مؤلف فما وافق الحق منه فهو حسن، وقالت عائشة رضي الله عنها : الشعر فيه كلام حسن و قبيح فخذ الحسن واترك القبيح "29. إن هذه الأقوال توضح النظرة المزدوجة للشعر فما كان متوافقا مع القيم الإسلامية ، الدين الحنيف فهو الشعر المقبول وما كان غير ذلك، فهو ما نهى عنه الإسلام ، وهذه النظرة تتضح أكثر في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الشعر كلام من كلام العرب ، جزل تتكلم به في بواديها و تسال به الضغائن من بينها "30، وكما يبدو هي إشارة إلى وظيفة الشعر في بث روح التسامح و الود . نشبت المعارك بين طرفي الإيمان والشرك ، بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته من الشعراء من الجانبين المتناقضين يسلون أسنتهم "31 ، و نشطت حركة الشعر بمكة بعد نشوب الحرب؛ وعزّ ذلك عليه لا لأنهم بل لأنهم كانوا يصدون عن سبيل الله بما يذيع من شعرهم في القبائل العربية بن ثابت : أنها لها (. فاحتدم الهجاء بينهم وبين الشعر في جانبه الايجابي كان سلاحا قويا فتك بكفار قريش وأسهم بفعالية في نشر الإسلام ، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شعراء الإسلام المذكورين أعلاه : " هؤلاء النفر أشد على وقال لحسان بن ثابت : اهجهم - يعني -قريش فو الله لهجاؤك عليهم أشد من اهجهم ومعك جبريل روح القدس"33. أما النظرة الثانية للشعر فمتعلقة بالجانب السلبي له ، الأمر الذي نلمسه في قوله صلى الله عليه وسلم : " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا ، حسب ما ورد في الدين، ويشغل المسلم عن القيام بواجباته و أداء فروضه من تلاوة القرآن الكريم و ذكر الله وغير ذلك كما كانت دعوة الإسلام إلى الصدق في الشعر ، نستخلص هذا من قوله صلى الله عليه و سلم أصدق كلمة قالها شاعر قول لبيد : "ألا" كل شيء ماخلا الله باطل "36. و هكذا " كان الرسول وخلفاؤه يؤثرون من الشعر ما هو بسبيل إلى الأخلاق الفاضلة والتعاليم الإسلامية، ولعل عمر بن الخطاب في نقده زهير بن أبي سلمى كان مثالا للنقد الايجابي القائم على إلا بما فيه"37. ننتقل إلى عرض بعض الآراء للخلفاء الراشدين في الشعر والشعراء ، الخطاب رضي الله عنه و علي بن أبي طالب كرم الله وجهه . -1- موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه: نظرة عمر بن الخطاب للشعر نلمسها في جانبين : " نظرة موضوعية ، فقد سار رضي الله عنه على نهج سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن الأمثلة عن آرائه في الشعر والشعراء ما روي عن " ابن عباس أنه قال : قال لي عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أنشدني لأشعر شعرائكم ، قلت من هو يا أمير المؤمنين ؟ قال : زهير ، وقد " كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه - إلى أبي موسى الأشعري: مُرْ من قبلك بتعلم الشعر، وقد كان لعمر بن الخطاب أشعار نلمس فيها الحكمة والحس الإيماني الراقي، فمن شعره رضي الله عنه و قد كان من أنقد أهل زمانه للشعر و أنفذهم فيه معرفة ، و يروى للأعور الشني هَوَنُ عَلَيْكَ فَإِنَّ الْأُمورَ فقد منحه الله موهبة وقدرة على التذوق وهو القائل : " الشعر ميزان القول، ورواه بعضهم: الشعر ميزان القوم "44. تساعده على التفسير ومن شعره كرم الله ولَمَا رأيتُ الخِيلَ بالقنا وجهه و كان مجودًا - ما قاله يوم صفين يذكر همدان و نصرهم إياه : نواصيها حمر النحور دوامي عَجَاجَةً دَجْنِ مُلْبَس بِقَتَامٍ 45 عرف عن أبي بكر أنه كان من العارفين بالشعر والأخبار، وكان يعمد إلى نقد الشعر وتوجيهه ألا كل شيء ماخلا الله باطل. وحينما قال لبيد : وكل نعيم لا محالة زائل كما كان يعرف بحكمه على الشعراء من ذلك أنه كان يفضل النابغة، فيقول عنه: "هو أحسنهم شعرا، وأعذبهم بحرا، وهذه النظرة فيها تعمق،