كان الشعر في الجاهلية ديوان العرب وأشهر فنونهم، ففيه وصف أحوالهم وحروبهم وحبهم ومروءاتهم، وكل ما يمكن أن يعرف في حياة الناس. كان الشاعر مكرماً في القبيلة؛ لأنه لسان حالها والناطق باسمها، والمدافع عنها. فالشعر الجاهلي كان انعكاسا للحياة العربية، وصلنا منه الكثير من أخبارها وأخبار أهلها. وعرف الجاهليون المعلقات، قصائد طويلة مثلت عيون شعرهم. شعراء المعلقات السبعة هم امرؤ القيس، زهير بن أبي سلمى، لبيد بن ربيعة، عمرو بن كلثوم، عنترة بن شداد، طرفة بن العبد، والأعشى. وكان غالب شعرهم غنائياً، ينطلق بعفوية، وينشد إنشادًا كأنه يُغنى. وفي أحايين شتى كان الشعر يتساوق مع الرقص والموسيقى والغناء. ولعل الشعر الفروسي المصحوب بالفخر كان من أجود أنواع الشعر الجاهلي، يصف الذات التي تصعد إلى مصاف البطولة، وبالبطولة يتمكن الجاهلي من السيطرة على الأشياء حوله. فالفارس قادر على تأكيد ذاته في صحراء مترامية الأطراف، وفي مجتمع يحتاج إلى سياج القوة لحمايته. ولما كانت الحياة الجاهلية مفككة، لا استقرار فيها، فقد جاءت القصيدة الجاهلية تعبر عن هذا التفكك. فقلما نجد قصيدة جاهلية تدور حول موضوع مركزي واحد، بل توشك أن تكون نتفا من أبيات أو من موضوعات لا يكاد واحدها يرتبط بالآخر، ما خلا حالات قليلة من القصائد التي دارت حول موضوعات تعكس القلق الذي يعتري الشخصية الجاهلية. وبفعل التنقل المستمر في حياة البدو، انعكس عدم الاستقرار في قصائدهم من خلال ترسخ ظاهرة الوقوف على الأطلال، فالطلل يمثل ظاهرة الزوال: لأنه يعكس صورة الزمن المغيب الذي يقهر الذات ويلاشي الأشياء من حولها. فالشاعر، في اللحظة الطللية يعاني ثقل الصراع مع الزمن والإحساس بقوة الغياب. إنه حسن الزوال الذي يحاصر وجوده.