كان الغالب على خط أهل القرون الثلاثة الأولى هو الخط الكوفى ، وقد بدأ مزج الخط الكوفى بالخط الحديث فى أواخر خلافة بنى أمية وصدر الدولة العباسية . ( ذكر صاحب إعانة المنشى أن أول ما نقل الخط العربى من الكوفى إلى ابتداء هذه الأقلام المستعملة الآن ، فى أواخر دولة بنى أمية وأوائل خلافة بنى العباس . قلت : على أن الكثير من كتّاب زماننا يزعمون أن الوزير أبا على بن مقلة (١) هو أول من ابتدع ذلك ، وهو غلط ، فإنا نجد من الكتب بخط الأولين فيما قبل المائتين ما ليس على صورة الكوفى ، بل يتغير عنه إلى نحو هذه الأوضاع المستقرة وإن كان هو إلى الكوفى أميل ، لقربه من نقله عنه )) . هذا ما كان فى الجانب الشرقى من الدولة الإسلامية . وكان فى الجانب الغربى من الدولة خط قديم يسمى (( الإفريقى )) ، وأوضاعه كما يقول ابن خلدون (٢) قريبة من أوضاع الخط المشرقى . ولما تغلب الأمويون على الأندلس ظهر لهم هناك خط خاص هو المعروف بالخط الأندلسى ، ويظهر فيه بعض الميل إلى الاقتباس من الحروف الإفرنجية ، وعندما تقلّص ظل العرب والأفارقة من الأندلس وتلاشى ملكهم بها ، فانتشروا فى عدوة المغرب وإفريقية منذ ظهور الدولة اللمتونية ، غلب خطهم الأندلسى على الخط الإفريقى القديم وعفى عليه ، إلا بقايا منه ظلت ببلاد الجريد التى لم يخالط أهلُها كتاب الأندلس . وقد اكتسب الخط الأندلسى بالمغرب حياة جديدة وجمالاً جديدًا ، ولكنه لم يلبث أن اضمحل ، وصار كما يقول ابن خلدون (١) : (( مائلًا إلى الرداءه ، بعيدا عن الجودة ) . وليس يعنى هذا القول أن الخط الأندلسى انقرض وصار إلى الزوال ، لكنه يعنى أنه لم يعد الخط الغالب ، وإنما كان يصطنعه قليل من الناس . ويتضح من كلام ابن خلدون فى مقدمته أن ماسماه المتأخرون (( الخط المغربى )) إنما هو الحالة التى صار إليها الخط الأندلسى الجميل . وابن خلدون المتوفى سنة ٨٠٨ لم يعرف هذه التسمية - أعنى الخط المغربى - التى تدل على الخط الحديث الساذج المشتق من الأندلسى . والخط الأندلسى يمتاز عن الخط المغربى بما شيع فيه من الاستدارات وتداخل الكلمات وإطالة أواخر الحروف ، والعناية بتنسيق الكتابة وتحسينها . ويشتركان فى طريقة النقط ، فالفاء لا توضع فوقها النقطة كما يضعها المشارقة ، وإنما تجعل فى أسفل الحرف ، والقاف لا توضع فوقها نقطتان ، بل توضع فوقها نقطة واحدة . والترتيب الهجائى للحروف الأندلسية والمغربية يخالف طريقة المشارقة ؛ ومن هنا اختلف ترتيب بعض معاجمهم وكتب رجالهم عن ترتيب المشارقة ؛ يظهر ذلك لمن نظر فى معجم ما استعجم للبكرى نشرة وستنفلد ، ومشارق الأنوار للقاضى عياض . وهذا ترتيب حروفهم : ( أ ب ت ث ج ح خ د ذرز ط ظ ك ل م ن ص ض ع غ ف ق س ش ه و لاى )