بعد سقوط عدن عام 1839م، فقدت المنطقة أهميتها الاقتصادية والتجارية، ولم تعد الخطة الامبريالية البريطانية الأولى ذات أهمية. اتبعت بريطانيا سياسات تكتيكية محدودة، أساسها تأمين طريقها للهند، ومواجهة التوسع الفرنسي، خصوصاً بعد احتلال نابليون لمصر. لم تُطبق سياسة امبريالية شاملة إلا كرد فعل على الانتفاضة المصرية بقيادة محمد علي، والتي مثلت ناقوس خطرٍ على المصالح الأوروبية. اختلفت هذه الانتفاضة عن سابقتها العمانية؛ فالأولى سعت لتحقيق مستقبلٍ جديد، عكس الثانية التي حاولت استعادة الماضي. وضعت الخطة الامبريالية البريطانية الجديدة هدفين: منع انتفاضات نهضوية مشابهة للانتفاضة المصرية، تحت غطاء تأمين استقلال ووحدة الدولة العثمانية؛ وتحويل الخليج والجزيرة العربية لمنطقة نفوذ بريطانية ثابتة، تحت إشراف حكومة الهند. اتضحت ملامح هذه الخطة نهائياً بين 1914 و1920م، متزامنةً مع بدء التنافس الأوروبي على تقسيم ممتلكات الدولة العثمانية. تطور المذهب الامبريالي من الليبرالية القديمة (بارلمرسون وكيننج) التي حاولت إصلاح الدولة العثمانية، إلى الليبرالية الجديدة (ستانلي وأوركهارت وبلنت)، التي اعتبرت إصلاحها مستحيلاً ودعت لتقسيمها وإعادة ممتلكاتها لسكانها الأصليين. أحد الملامح الأساسية للخطة الامبريالية البريطانية، كما صاغتها مدرسة كرزون، هو ربط المنطقة من وادي النيل إلى إيران، بسلسلة من المعاهدات التي تضمن النفوذ البريطاني، وتمنع تدخلات الدول الأخرى. لم تتضمن هذه الخطة إعطاء المنطقة استقلالاً ذاتياً. اتفاقية سايكس بيكو، لم تكن إلا انعكاساً لهذه الخطة، وليس أهم انعكاساتها، وكانت هناك بدائل أخرى، منها دعم ابن سعود في نجد. شملت الخطة أيضاً تحييد إيران عبر معاهدة 1919م (لم تُصدق عليها)، ومعاهدة السيب 1920م التي رسخت تقسيم عمان، وتقسيم اليمن. اتفاقية سايكس بيكو لم تكن سوى خيار قابل للتغيير حسب الظروف، مثل ظهور روسيا البلشفية، والولايات المتحدة، والمقاومة العربية، وأهمية النفط. الحلقات الأساسية للخطة هي معاهدة دارين (1915م)، ومعاهدة السيب، وتقسيم اليمن، ووضع العراق تحت الانتداب، وتسليم سوريا ولبنان للفرنسيين، ووضع فلسطين تحت الانتداب. مؤتمر العقير (1922م) رسم الحدود بين العراق، الكويت، ونجد، مما منع حركة القبائل بحرية بينها، وأدى إلى تقويض النظام السياسي التقليدي. لم تكن هذه البلدان دولاً مستقلة حسب المفهوم الحديث، وقد رسمت حدودها بشكل اعتباطي. مؤتمر العقير مهدّ لمرحلةٍ جديدةٍ، وهي تثبيت أمن المنطقة من خلال أنظمة حكم موالية للغرب. استخدمت الخطة ابن سعود كبديلٍ لحكم الشريف حسين، وقد رفع عنه الحماية البريطانية عام 1927م. المحاور الثلاثة للخطة هي: السعودية (كحليفٍ موالٍ)، العراق (تحت الانتداب)، وإيران (تحت نفوذ رضا خان). تدخّل الأمريكيون بعد الحرب العالمية الأولى، مُطالبين بحصة من غنائم الدولة العثمانية، وساعدت سياستهم "الباب المفتوح" الشركات الأمريكية. لم تكن هذه الخطة دون مقاومة، فبرز البديل القومي والاشتراكي، اللذان ناديا بالحكم الدستوري، والاستقلال في دولة موحدة. في الخليج، برزت حركات إصلاحية في الكويت والبحرين، مطالبةً بالشورى، وحكمٍ دستوري، لكنها قُمعت. في عام 1936م، نضج التيار القومي في المشرق العربي. بعد الحرب العالمية الثانية، عادت الحركات الإصلاحية، لكن هذه المرة تحت تأثير مصر الناصرية. سياسة "فرّق تسد" نجحت في تجزئة المنطقة. تقرير رندل (1933م) أكد أن الوحدة العربية غير عملية، مستشهداً بالتنافس بين العائلات الحاكمة. هذا التقرير يمثل تعداداً لإنجازات الخطة الامبريالية. بدأ عصر النفط في الثلاثينات، لكن عصر الدولة الريعية جاء بعد الحرب العالمية الثانية. أدت الحرب العالمية الثانية إلى توقف الإنتاج، ثم عاد بقوة بعدها. تطوّر حجم الضرائب النفطية، وميلاد الأوبك مثّل كفاحاً للدول المنتجة للحصول على حصصٍ عادلة. يُنظر لدخل النفط كريعٍ خارجي، مما أدى لظهور الدولة الريعية، التي لا تعتمد على إنتاج النفط بشكل مباشر، بل على إنفاق الدولة. الخصائص الاستثنائية للدولة الريعية تتضمن: اعتمادها على الانفاق العام، استقلالها النسبي عن مصادر السلطة التقليدية، ووجود ثلاثة أبواب للإنفاق: الرأسمالي، التعويضات العامة، والاستهلاك العام. التعويضات العامة أدت لخلق أوليغاركية مالية عقارية، ومضاربة الأراضي. تدخلت الدولة في الاقتصاد، مما أدى لظهور ظواهر اجتماعية شاذة. ازدهار الاستيراد، الصادرات، البناء، والخدمات، أدى لجذب العمالة الوافدة، مما قلل مساهمة السكان المحليين في النشاط الاقتصادي. يُخفي الانفاق الحكومي حدة الفوارق في الدخل، مما يؤخر التغيير السياسي. الفوارق في الدخل لا تنجم عن استغلال البشر، بل عن استغلال الموارد الطبيعية، مما يعطي الدولة قدرة على احتواء المعارضة. عدم كفاية النظام السياسي والاقتصادي يؤدي لركودٍ سياسي واجتماعي. المؤشرات الاقتصادية لا تعكس حقيقة الوضع في الدول الريعية. لتحقيق نمو حقيقي، لا بد من تغيير تنظيماتٍ اجتماعية وسياسية.