جهاز المناداة "البيجر" يلح في طلبه، وكلما نظر إلى رقم الهاتف الذي يظهر على شاشة البيجر تزداد حيرته وحرجه. المشكلة تكمن في فقدان جزء مهم من الكتاب. فعادته إذا كتب شيئا ألا يغيره فهو يعبر لديه عن حالة نفسية كان يعيشها أثناء كتابته وليس من السهل عليه أن يعايشها في وقت آخر. ظل في حيرته وضيقه ووضع رأسه بين كفيه وأسند مرفقيه على مكتبه، وفجأة فتح عينيه وأطلق رأسه من كفيه وهو يصرخ: نعم. كما فعلوا في صديقنا غازي الذي وجدوا في بيته أثناء تفتيشهم له علم الكويت وصورة الأمير في كتاب مدرسي فأخذوه معهم ولم يعد إلى منزله إلا جثة هامدة اختفت منها بعض الأصابع، واختفت معالم الوجه فيها ولولا بعض العلامات المميزة فيه لما تعرف أهله عليه عندما فوجئوا بجثته ملقاة أمام بيتهم. مصدر معلوماتنا الوحيد هو إخواننا الذين انتهى العراقيون من تفتيش بيوتهم. لكن الذي يزيد المشكلة تعقيدا هو أن قائمة المحرمات لديهم تتغير كل يوم وتزداد كل ساعة حتى أصبحت تشمل أشياء كثيرة جدا لايكاد بيت من بيوت الكويتيين يخلو منها، فقد شملت إضافة إلى علم الكويت وصورة الأمير وولي العهد أي كتاب أو خريطة تشير إلى الكويت كدولة مستقلة. كنا ننظر إلى يوم التفتيش كأنه يوم الحساب، كنا نبارك لأقاربنا وأصدقائنا الذين مر عليهم يوم التفتيش بسلام، وكنا نغبطهم على ذلك. إلا ورشاشاتهم فوق رأسه وهم يصيحون به: قم يا ابن الكلب. فاتهموه بأنه أحد الذين يتصلون بالحكومة الكويتية في الطائف، وأخذوا يضربونه أمام أعين أطفاله الذين كانوا يبكون ويصرخون دون أن يحركوا في قلوب الظلمة ساكنا. ثم أخذوا الهاتف النقال وتركوه بعد أن أغمي عليه من شدة الضرب. وثالث وجدوا عنده سلاح صيد أخفاه في خزان الماء في سطح المنزل فسحبوه إلى خارج منزله وعلى مرأى من الجيران وأهل الحي الذين تجمعوا للتوسط له أطلقوا عليه النار بدم بارد وتركوه غارقا في دمائه أربع ساعات لايستطيع أحد أن يقترب منه حتى انتهوا من تفتيش بيوت الحي كلها. كنا نعيش وكأن الانتهاء من عملية التفتيش يعني انتهاء معاناتنا وخوفنا رغم علمنا الأكيد بأن هذا ليس صحيحا. كنا نتساءل عن سبب تأخرهم في تفتيش منطقتنا دون أن نصل إلى سبب معقول. هل يعود ذلك إلى كثافة وجودهم في مدارس المنطقة والتي أصبحت معسكرات وثكنات عسكرية لجنودهم? أم استغنوا عن التفتيش بدورياتهم الراجلة في فترات الصباح ودوريات سياراتهم في المساء في شوارع الحي? أم استبدلوا به نقاط المراقبة التي وضعوها فوق أسطح بعض المنازل التي احتلوها لأهمية مواقعها أو لوجود أهلها خارج الكويت? كلها أسباب ممكنة استعرضناها وتداولناها كثيرا في نقاشاتنا الصباحية والمسائية لكنها لم تقنعنا لأنها متكررة في كل مناطق الكويت ومع ذلك تم تفتيشها. الأمر لايخلو من سر لكننا لم نستطع كشفه. من الأمور التي كانت تهوّن علينا وتسري عنا بعض الشيء أن جنود الغزو إذا أرادوا تفتيش منطقة ما فإنهم لايحاصرونها كلها بل يبدأون بمحاصرة قطعة "حي" واحدة حتى إذا ما انتهوا من كل بيوتهم انتقلوا إلى القطعة الأخرى، ولم يستعملوا قطع خطوط الهاتف فكان أهل البيوت التي تم تفتيشها يتصلون بأقربائهم ومعارفهم في القطع الأخرى من المنطقة نفسها ليبلغوهم عن طريقة التفتيش ويحذروهم من بعض الأمور وينصحوهم في كيفية التعامل مع العراقيين. كما أن عملية التفتيش العام تتم دائما في النهار وأنهم قد يتركون بعض البيوت دون دخولها وتفتيشها. فقلنا الحمد لله لقد اكتفى المحتلون بالمناطق التي تم تفتيشها. كل واحد منا قد أتى بما تيسر له لنأكل طعام الإفطار معا كما اعتدنا في كل يوم. كما جاء معه بقطعة من الجبن الأبيض، وأبو مشاري جاء بالحليب الساخن "والبقصم" وهو نوع من أنواع البسكويت الشعبي يؤكل عادة مع الحليب الساخن، أما أنا فقد جئت ببعض البيض المقلي. وهكذا اكتملت سفرة الإفطار أمامنا. مفهوم? وقبل أن نتكلم بكلمة واحدة لنبين له أهمية وجود هذه الخيمة بالنسبة لنا كانا قد استدارا وركبا سيارتهما ومضيا إلى حي آخر ليبلغاه الرسالة المختصرة والتهديد والوعيد. ـ لا حول ولاقوة إلا بالله. قالها أبومحمد متحسراً محزوناً وهو يهز رأسه. قلت مواسياً: يكفي يا أبا مشاري إن ربك لبالمرصاد ولن يضيع عباده. لنعمل الآن على إزالتها ولانضيع الوقت. وانشغلنا في فك الخيمة دون أن يكلم أحدنا الآخر. ـ ما الذي تفعلونه يا جماعة؟ عسى ما شر؟ ـ إنها أوامر الغازي يا أبا عثمان ولامفر لنا من تنفيذها. ـ طيب لماذا استعجلتم؟ هلا انتظرتم بقية إخواننا حتى نتشاور ونتبادل الرأي؟ وقبل أن يرد محاججاً كان أبوصالح وأبوأحمد قد وصلا وأخبرانا أن الأمر عام لجميع الأحياء وأنهما يوافقاننا على عملنا. كان يوماً حزيناً على جميع أبناء الحي، وفي الصباح الباكر من يوم الغد وجدنا أنفسنا نتجمع على الرصيف في نفس مكان الخيمة. جئنا بدافع لا إرادي فقد غلبتنا عادتنا وساقت أقدامنا إليه. ـ ما رأيكم يا جماعة؟ لابد أن نجد مكاناً بديلاً لتجمعنا. ولكن أين؟ هيا فستكون ديوانيتي مقر تجمعنا منذ اليوم. وانطلقوا إلى مقرهم الجديد. ـ أظن أن الجماعة "يقصد العراقيين" بدأوا في سرقة أجهزة سنترال هواتف المنطقة، لذلك لا أظن أن الحرارة سترجع إلى هواتفنا أبداً، وهكذا قضينا ليلتنا تلك في حوار طويل وتحليل لتلك الإجراءات الغريبة، وبدأنا ننسحب إلى منازلنا واحداً تلو الآخر. ـ نريد تفتيش المنزل. ولقطات للدبابة المحروقة أمام "سنترال مشرف" والتي أحرقها بعض شباب المقاومة. وأخذت بعض الأوراق وبعض الكتب التي تنتقد حزب البعث العراقي وألقيت بها خلف المكتبة، ولم يمهلني العسكر حتى أذن لهم بالدخول فقد بادروا بذلك وتوزعوا على حجرات المنزل وصالاته وفنائه وسطحه كالفئران الجائعة التي تبحث عن كل ما يمكن أكله. كان عددهم يقارب العشرين بين عسكري ومدني مدججين بالسلاح. سألني أحدهم عن اسمي ووظيفتي وعدد أطفالي وهل يشاركنا أحد آخر في السكن في منزلنا. كانت تقف في الممر الذي تطل عليه غرف النوم جميعها، توجهت إليها وكان يقف أمامها اثنان من المجموعة وكانا يشيران إلى كرتون ملقى في الممر. ـ يا إلهي كيف غاب عني إخفاء هذا الكرتون؟ قلت محدثاً نفسي. لم استطع أن أكذب ولا أدري ماذا قالت زوجتي لهم عنها. قالتها بصوت اضعفه الخوف. قال: لا تتلكأ. وأنني المتسبب في ذلك، لقد تذكرت الآن. وكان علي أن أناور للتخلص من هذا الموقف الخطر. فقلت لها شاخطاً: ـ ماذا فعلت به؟ هل يمكن أن تكوني رميته مع الآلة الكاتبة؟ لقد فعلت ذلك،