قصة نساء المهدية اللاتي رهن حليهن غداة استقلال تونس ليمكن مصانع البلاد من العمل بعد تعطيلها ويشاركن بقسطين إلى جانب الرجل في رفع مستوىالاقتصاد التونسي بتأسيس تعاضدية لتصبير الأسماك. إلى نساء المهدية تهدي هذه السطور و فيهن تحيي المرأة التونسية العاملة المتحررة.ليست هذه قصة تناقلتها الأقواة من أمد بعيد . لكن قد تداولتها الألسن، وتناقلتها الأقواة في ربوع بلادي . و هم على شاطئ البحر، يرتقون شباكهم أو يتغنون بها، و هم يرفعونالشراع و يستمر غناؤهم و هم يبتعدون عن الشاطئ حتى يطويهم الأفق. و لربما نقلها أول من نقلها راع شاب كان يرعي أغنامة على هذا الشاطئ الأمين. ثم ما لبثت القصة أن عنت القطعان تستهوي الرعاة، فتذاكروها و تناقلوها و ملؤوا بصداها أرجاء الساحل الفسيح و منه أخذها زعاة الجنوب فكانت أغنية أسمارهم في الليل عند رجوع الأغنام إلى الحظائر.و ما هذه القصة إلا ذرة من القصص تشيد بنساء قريتي. وقريتي بيضاء تفضح نورها زرقة السماء وزرقة الماء ومكانها قبلتهم البحر، أصل حياتهم و منبع رزقهم .الأطفال في قريتي يصنعون لعبهم بأيديهم، فإذا هي مراكب و زوارق و ذلك تسبح، و إذا هذه المراكب منبع مسراتهم ومشاجراتهم على حد سواء . فهذه مراكب قدت من صناديق القصدير و غلب و هي أول عمل فني أخرجته أيدي أطفال قريتي الصناع. وقبل أن تخضر أدقائهم يُمارسون على مراكب آبائهم بعيدًا عن البرمهنتهم التي تخلق منهم رجالاً أشداء عاملين، و ما غير الصيد أمامهم من مهنة. و هكذا تمر السنون تتبعها السنون ، منذ أقصى العصور، والمراكب تغادر هذا الشاطئ ترتادرزقها، مراكب خفيفة تخشى العطب، ذات مجاديف مراكب محملة جبالاً و شباكا و قصبا، توم شطر البحر لا تلاقي في طريقها غير الصخور و كثبان الرمال. و لماذا يتوغل البحارة في جوف الأفق و السمك هنا في انتظارهم؟ فتلقى القصاب و الشباك زمرة ووحدانا. و إذا ما جنَّ الليل رجع الصيادون أدراجهم إلى عقر مينائهم العتيق فإذا الميناء كالصدفة تنطبق عند كل غروب على هذه المراكب كاللآلي. فسيان عند هؤلاء البخارة يوم الخصب و يوم الجدب إذ الصيد كاف لتقويت الأسرة، و ربما استطاع البحار أن يبيع بعض السمك في المدينة و هو في طريقه إلى بيته الوادع يفعمة هناء العيش وابتسام الأطفال.و ما للبذخ من مظهر في قريتي إلا في هذه الخلاخل من الذهب تطوق كعاب الحسان تزين مشيتين خلاخل أهداها الرجال زوجاتهم، و العجائز يعرفن بدورهن متى يتحتم تسليم هذه الخلاخل إلى بناتهن والكنائن .ثم طلع على الشاطئ المركب الكبير و دوى محركة في الأرجاء، و هو ينساب في فجيحه نحو البر جارفا كثبان الرمال و معها رزق البخارة من أبناءقريتي .و لم يطل الزمن حتى أصبح البحارة يرجعون إلى البر لا يلوون على شيء: لقد هجر السمكمخاتبه و ولی.و هكذا بدأ الجوع يتسرب إلى أحشاء أطفال قريتي. و استشاط البحارة غضبا لمرأى الشباك فارغة لا سمك فيك، في ساحة القريةو تشاوروا في أمرهم وذهب بعض الشبان إلى الرأي بمهاجمة المركب الذي أنزل الدمار على الساحل. و من ذا الذي يُنكر عليهم هذا الموقف؟ أليسوا مُحقين في غَضَبهم ؟ فسورة الغضب كثيرا ماترجع بالنفع. ألا تحطم العواصف شداد الصخور ؟ لكن الشيوخ، و هم أهدأ أعضابًا وأحضف عقلاً، طالبوا الجموع بالتمعن في المشكلة و بحثها منجميع مظاهرها بحثا دقيقا مُفصَّلاً .الأيام، فإذا هي ساحل رملي ممهد.كان صاحب المركب الكبير الطليان» يقطن في المدينة المجاورة، وكان يعيش من أرباحهالطائلة، و هكذا كان مركبه في كل صباح يمر بالميناء العتيق، و يلقي حبلاً وراءه لا تلبث الفلك أن تتشبث به، فينساب بها إلى الأعماق للصيد عللى بعد خمسة و عشرين ميلاً من المرسى، فإذا جن الليل رجع المركب إلى القرية يجر وراءه ذلك العقد من الفلك إلى الميناء. و غضبَ النَّاسُ وقالوا إن شغل البحارة أصبح أعسر وأرباحهم أضال مما كانت عليه، و لكن صاحب المركب كان يدعي أن التقدم يقتضي ذلك، فما العمل إذن .؟ الصبر . أليس للأطفال ما يسدرمقهم؟ إذن؟و استمرت الحال إلى السنين الأخيرة، بل قل انقلبت الحال بفضل حركة صارة مستميتة.اقتباس مثل عربي، مدلولة): إن الماء يقطع الرحام.أعناق التونسيين و هفت القلوب.لكن لم تنته المشاكل. ففي صبيحة استقلالنا لم يطلع المركب على الميناء، فبقي البحر حاليا ينتظر كالبخارة طول يومه، و بقيت الفلك مشدودة إلى المرسى محملة بشباكها و حبائلها و أتى المساء فإذا خبر يقول بأن «الطليان قد عزم على بيع مراكبه في جزيرة صقلية و الفوز بأمواله إلى وطنه. و اجتمع الرجال لتؤهم. كيف يمكن الوصول إلى مواقع الشمك دون مركب ذي محرك . و كيف يتصور أن يقطع البحارة تجديفا خمسة وعشرين ميلاً في الصباح و مثلها عند الغروب ذلك أمر مستحيل طول النهار لا يسمح بقطع هاتين المسافتين. و وقع اختيار الجميع على الشيخ «علي» أحد قدماء البحارة و الشيخ «احمد» و هو تاجر محنك و الشيخ الساسي الذي فركب الثلاثة ظهر أحمرتهم وأموا شطر المدينة ليلقوا صاحب المركب. وطالت المفاوضة و أحد مراكبي ؟ طيب . ادفعوا فوزا أربعة ملايين فرنك فهو لكم، و إلاقال المالك: « تُريدون أن أترك لكم تارك هذه القرية و أنتم هالكون. فما تصنعون دون مركب تحركة آلة كمراكبي؟ إنكم و لا شكفأنا ستهجرون هذه القرية على إثري، ادفعوا إذن . ندفع ؟. فعاد ثلاثتنا أدراجهم إلى المدينة، وطال الحديث هنا أيضا و كثرالجدال . المصرف مستعد لفرضهم الملايين المطلوبة، لكن أين الزهن؟ من يضمن له استرجاع ماله؟و قفل الثلاثة راجعين إلى القرية وأخبروا الجماعة بعزم المصرف على إرسال أحد خبراته قريبًا ليقدر قيمة الرهن.إلى القرية و أتى الخبير إلى القرية وطاف بدورها و نظر إليها شزرا و احتقارًا، بيوت من التراب لا حجارة في جدرانها، مبيضة بالجير . خمسمائة ألف فرنك لكل الديار بالقرية .خمسمائة لا أكثر.و قرر الرجال انذاك أن تعرض على الخبير أفلاك القرية و لكلة نظر إليها شورا و احتمال فما قيمة أفلاك من الخشب لا محرك لها غير المجداف خمسمائة ألف فرنك في مقابل كل هذه الأفلاك لا أكثر، فرهن القرية فلكها و بيوتها لا يتجاوز المليون.