أ ) نعت المديح​ما أحسن ما قال عمر بن الخطاب في وصف زهير (3) حيث قال: إنه لم يكن يمدح الرجل إلا بما يكون للرجال، فإنه في هذا القول إذا فهم وعمل به منفعة عامة،ومنفعة أخرى ثانية، وهي توكيد ما قلنا في أول كلامنا في المعاني، من أن الواجب فيها قصد الغرض المطلوب على حقه وترك العدول عنه إلى ما لا يشبهه.​ولما كان المديح إسماً مشتركاً لمدح الرجال وغيرهم، عمه بالقول في مدح الرجال، إذ كان غرض الشعراء إنما هو مدحهم إلا ما يستعملون من أوصاف النساء فإن ذلك له قسم آخر سنأتي به في ما بعد إن شاء الله تعالى (1)، وعلمنا أن أخذنا في التعريف بجودة مدح الرجال كيف يكون، فقد يتعلم من حواشي قولنا في هذا كيف يسلك السبيل إلى مدح غيرهم،​إنه لما كانت فضائل الناس، على ما عليه أهل الألباب، من الإتفاق في ذلك، كان القاصد لمدح الرجال بهذه الأربع الخصال مصيباً، والمادح بغيرها مخطئاً. دون البعض: مثل أن يصف الشاعر إنساناً بالجود الذي هو أحد أقسام العدل وحده فيغرق فيه، أو يقتصر عليهما دون غيرهما، فلا يسمى مخطئاً، لإصابته في مدح الإنسان ببعض فضائله، فقد وجب أن يكون على هذا القياس المصيب من الشعراء من مدح الرجال بهذه الخلال، وبالغوالبالغ في التجويد إلى أقصى حدوده من استوعبها، ولم يقتصر على بعضها؛ وذلك كما قال زهير بن أبي سلمى في قصيدة:​فوصفه في هذا البيت بالعفة، لقلة إمعانه في اللذات، وإنه لا ينفد ماله فيها،​تراهُ إذا ما جئتَهُ متهللاً . كأنكَ مُعطيهِ الذي أنتَ سائلُهْ (2)​فزاد في وصف السخاء بأن جعله يهش له، ولا تكره لفعله؛ ثم قال:​فمن مثلُ حصنٍ في الحروبِ ومثلهِ .