‎كان في إحدى المُدُنِ مَلِكٌ حَكيمٌ عادِلٌ، إلى حفظ الأمن والعدالةِ بَينَ رَعَايَاهُ كافَّةً. يَنْعَمونَ في المدينةِ بالرَّغَدِ والسعادة. ‎ولكي يتمكن القضاة باستمرار من إشاعة الأمن في المدينة، كانَ علَيهِمْ أَن يَبْقَوْا سَاهِرِينَ على الشَّعَبِ فِي كُلِّ لينصرفَ النَّاسُ إلى أعمالهم آمنين. ‎وفيما كانَ المَلِكُ يُفكِّرُ ذَاتَ يومٍ فِي وَسيلَةٍ مُناسِبَةٍ تُحقِّقُ ‎له وللقضاة معرفة أحوال الرَّعيَّة وشكاواهم، وَأَمَرَ أَيضاً بناء نُصْبٍ مَتينٍ تَعْلُوهُ قُبَّةٌ عَرِيضةٌ في ساحة المدينةِ. وفي تِلكَ الأَثناءِ كَانَ السُّكَّانُ يَنظُرُونَ بِدَهِشَةٍ إِلى سَيرِ الأعمال في الساحةِ. لَم يَرَوْا شيئاً كهذا مِن قَبْلُ ! ما الغاية من هَذا الجَرْسِ الثَّمين البراقِ، وقَدْ عُلِّقَ الجَرَسُ إِلَى قُبَّتِهِ، لأَنَّ الجَرَسَ هو جَرَسُكُم إِنَّهُ جَرَسُ العدالة، مرَّتِ الأيامُ وسُكان المدينة ناعمو البالِ، فقصدوا إلى الساحة ‎لإبدال الحبل البالي بآخر جديد. وبعد جهودٍ وعِدّة مُحاولات تَبَيَّنَ لَهُم أَنَّ ذَلكَ الأمْرَ كَانَ عَسِيراً! فَقَدْ تَعَذَّرَ علَيْهِم وُجود حبل جديد يُشابِه الحبل القديم، في المدينةِ كلها: فهَذا حبلٌ جَاءَ بِهِ أَحدُهُم وَلَكِنَّهُ لَم يَفِ بِالْغَرَضِ لِأَنَّهُ قصير ! وذاك حَبْلٌ آخَرُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِأَنَّهُ رَقِيقٌ! فما العملُ إِذَا؟ جَلسَ القُضاةُ فِي رُكْنٍ مِنَ السَّاحَةِ يَتشاورونَ. فهنَّاهُ القُضَاةُ على على إحدى التِّلالِ المُجاوِرةِ. ‎وكان للرجل جَواد عربي أصيل، واقتحم به المخاطر بشجاعة وإخلاص. - يا له من جواد عاجز كسول! آوا كُم أَودُّ أَن أَهَبَهُ بلا ثَمن، اشتد ضعف الجواد المسكين، وأصبح وَكَانَ الصِّبْيَةُ يَرْشُقونَهُ بالحجارة. وكلابُ المدينةِ تَنْبَحُ فِي وَجهِهِ، فَيَبتعد الجواد المظلوم خائفاً ذليلاً! وذات يومٍ مِن أَيَّامِ الحَرِّ سار الجواد هائماً على وجهِهِ، فبلغ المدينةَ ظُهْراً. ‎بالأكل لم ينتبه للجرس الذي راح يقرعُ باستمرار، ‎الْمُتَجَمِهِرِينَ تَقَدَّمَ وقَالَ: ‎- ليس في الأمر ما يُضحِكُ. وكلُّنَا يَعرفُ ما يَذوقُه هَذا الحيوانُ المِسكينُ مِن ظُلمِ سَيِّدِهِ وَقَسْوَتِهِ. ‎- لقد دعانا الجواد بصورةٍ عَفْوِيَّةٍ لَتَنظُرَ في أمرِهِ. فاقتيد الرَّجلُ إلى الساحة مُكْرَها وَقفَ أَمَامَ القُضَاةِ مُرتعِدَ الأَوصالِ، فقالَ: - إِنَّ المُواطِنِينَ المُجتمعينَ الآنَ هَهُنا يَتَّهِمُونَكَ بِالقَسْوةِ وبإساءة المعاملة. فَبَدا أَنْشَطَ بَعدَ تَناوُلِ ‎البخيل، كان شريكاً لكَ حينَ طُفْتَ به الأرضَ لتجمع الثروةَ الَّتِي تَكدَّسَتْ في أكياسِكَ.