حيث يلعب دوراً أساسياً في تفاعل وتعامل ورفاهية الدول والشعوب مالياً واقتصادياً واجتماعياً. وهذا يبرز من خلال الوظائف والمهام المتعددة التي يقوم بها النقد الذي بذاته قوة شرائية تمكن حامله من استبداله بكميات محددة من السلع والخدمات (۱)، كما يمثل قوة شرائية إحتياطية تخول صاحبه إمكانية استعماله في أي وقت بعد الإحتفاظ به عن طريق إدخاره، كما ويمثل أيضاً مقياساً للقيم من أجل مقارنة الأشياء والخدمات فيما بين بعضها بالبعض الآخر (1). كما تبرز أهمية النقد على الصعيد العالمي كونه قاسماً مشتركاً بين مختلف الحضارات فما من دولة في العالم إلا ولها نقدها الرسمي الخاص بها، وهو يتمثل بالعملات الحكومية التي تصدرها الدولة بنفسها أو بواسطة جهات أخرى، بناء على ترخيص منها، ويعتبر النقد بذلك إحدى أهم وسائل ممارسة الدولة لسيادتها على إقليمها. إن النظام النقدي المعتمد على الصعيد المالي حالياً هو نظام الأوراق الإلزامية الغير قابلة للتحويل سواء إلى ذهب أو إلى أي معدن آخر، بعد أن مرت النقود بمراحل تاريخية متعددة إبتداء من النقود السلعية، مروراً بالنقود المعدنية، وصولاً إلى نظام الأوراق النقدية القابلة للتحويل إلى ذهب، والذي زال حالياً لمصلحة الأوراق الإلزامية الغير قابلة للتحويل لسببين رئيسيين هما: 1- عدم مقدرة الذهب على مجاراة نسبة الزيادة في التجارة الدولية التي تبلغ نسبه 7%سنوياً، بينما إنتاج الذهب يزداد بمقدار ٢% سنوياً فقط، ويستعمل أكثر من نصف هذه الزيادة في أغراض تجارية وصناعية (٢). ٢-تعذر استخدام النظام المعدني في أثناء الحرب، نتيجة الذعر الاقتصادي الذي ساد العالم بعد الحرب العالمية الثانية (1) ، بمعظمها في عدد محصور من الدول. في ظل عالم منفتح على بعضه البعض، تبرز مشكلة العلاقة بين النقد الوطني والنقد الأجنبي وهو ما يعبر عنه بسعر الصرف. وهو النسبة التي تحصل على أساسها مبادلة النقد الوطني بالنقد الأجنبي، أو بالأحرى هو ما يدفع من وحدات النقد الوطني للحصول على وحدة أو على عدد معين من وحدات النقد الأجنبي، يمكن أن تبلغ في ظل قاعدة الأوراق الإلزامية حدوداً ضخمة ارتفاعاً أو هبوطاً. ذلك أنه في ظل قاعدة الأوراق الإلزامية، لا يخضع سعر الصرف العوامل آلية جامدة ودقيقة كما في نظام القاعدة الذهبية، التي تبقى التقلبات فيها بين أي عملتين محدودة ومحصورة بحدين أعلى وأدنى، يعرفان بنقطة خروج ونقطة دخول الذهب وهنا يبدأ الحديث عن الأسباب التي تؤدي إلى هذه التقلبات في أسعار الصرف، خاصة أن الإستقرار الاقتصادي والقانوني لا يمكن أن يتحقق ما لم يحافظ النقد على ثباته الدائم، أو على الأقل على ثباته النسبي لفترة غير قليلة (٢). إن المخاطر التي تنطوي على احتمال تغير سعر الصرف بين عملتين بصورة غير متوقعة خلال الفترة الفاصلة بين إتخاذ قرار بعملية ما وحلول موعد الدفع، يبرز أثرها في عدم الإقدام على التعامل بين الوكلاء الراغبين في تجنب المخاطرة، والذين يعيشون في مناطق عملات مختلفة، ولقد كانت هناك دراسات عديدة حول إمكانية تذبذب سعر الصرف بإعاقة التجارة وغيرها من التعاملات، كما جرت محاولات لتدارس هذا الموضوع من الناحية التجريبية العملية، ويبدو أن النتائج التي جرى التوصل إليها تدعم هذه النظرة على الأقل في مجمل التعامل التجاري (٢). كما أن تقلبات قيمة النقود تستمد خطورتها (1)، على أساس الإلتزامات التعاقدية بدفع مبلغ من النقود في المستقبل، ٤.أجور العمال والمستخدمين. وغير ذلك من الإلتزامات النقدية المؤجلة، أو التي يمتد تنفيذها عبر حيز ممتد من الزمن. إنه لمن المعروف أن العوامل التي تؤدي إلى تعزيز قيمة النقد الوطني، والتي تؤمن ثباته تجاه العملات الأجنبية في نظام قاعدة الأوراق الإلزامية هي عديدة وأبرزها (0): تساعد النقود الورقية في حال تعرضها للأخطار. ٢.وضع سياسي مستقر : يساعد على الحد من البطالة، ويقضي على الإختلالات في البنيات السياسية والاجتماعية، ٣.موازنة عامة متوازنة: تأخذ بعين الإعتبار الحاجات الاجتماعية وضرورة توفيرها بشكل مرض. ٤.وجود جهاز بشري على جانب كبير من الخبرة والاختصاص، قادر على التصدي لكل ما تتعرض له السوق النقدية من مضاربات ترتبط المضاربة على النقد إرتباطاً وثيقاً بعمليات شراء وبيع العملات المختلفة تجاه بعضها البعض، علماً أن شراء وبيع العملات المختلفة تجاه بعضها البعض أمر ضروري وهام في ظل عالم منفتح (1)، وعلاقات تجارية دولية متشعبة وواسعة، حتى أن الدول التي تتبنى قيوداً تحد بموجبها عمليات شراء وبيع العملات تعترف نفسها بأهمية هذه العمليات وضرورتها، ولكن بدل تركها حرة تقوم بتوليها وإدارتها عن طريق هيئاتها المركزية. إلا أن قوى المضاربة على النقد قد تكون أحياناً من النوع الذي يقود إلى عدم الإستقرار وبالتالي تجذب سعر الصرف بعيداً عن وضع التوازن ()، وهذا الأمر بعد مصدر قلق لأولئك الذين يؤيدون نظام الصرف المعوم السائد حالياً في معظم الدول الصناعية الكبرى، والذي من خصائصه ترك سعر العملة حراً دون تحديد أي سعر صرف ثابت لها، بخلاف ما كان سائداً أثناء سريان إتفاق بروتون وودز الذي أقر عام ١٩٤٤ ، وزال تدريجياً ابتداء من عام (۱۹۷۱(۳) والذي حافظ على أسعار الصرف الثابتة وفق قيمة تعادلية لكل عملة يجب الإعلان عنها لدى صندوق النقد الدولي، ولا يجوز أن تتغير سوى بحدود 1% صعوداً أو هبوطاً كحد أقصى (1). إن الأسباب التي تؤدي إلى تدهور سعر العملة الوطنية تجاه العملات الأجنبية هي عديدة ومتنوعة، وهي أسباب متداخلة بشكل يصعب الفصل بينها جميعاً بحيث يتم تقديم سبب على آخر، وإن كان السبب الاقتصادي هو أبرزها، إلا أن المضاربة على النقد وخاصة عندما تكون من النوع الإختلالي، أو عندما تترافق مع أعمال مشبوهة مخالفة لقوانين العرض والطلب الطبيعية، والتي يعبر عنها بالمضاربة غير المشروعة على النقد، فإنه من المؤكد أنها ستؤدي إلى زيادة التدني النقدي في زمن الإنهيار الاقتصادي (1)، كما أنه من المؤكد أن هذه المضاربة ستؤدي على الأقل إلى التذبذب في أسعار الصرف، عندما تنصب هذه الأنواع من المضاربة على عملة إقتصادها سليم غير مصاب بخلل بنيوي خطير، خاصة أن هذا التذبذب لا يقل خطراً عن التدني النقدي ذاته ). إن هذه الأخطار من شأنها أن تتضاعف فيما لو حصلت المضاربة غير المشروعة على عملة مؤهلة للعب دور وسيلة دولية للصرف في معناها الواسع، بحيث يؤثر انتكاسها على مختلف العملات الدولية، خاصة إذا كانت تستعمل كإحتياطي لدى البنوك المركزية الدولية لدى معظم الدول، وهو الدور الذي يقوم به الدولار الأميركي حالياً. هذه الأخطار يعبر عنها عادة بخطر الصرف، حيث تجهد بمعظمها لمكافحة إحدى أهم أسبابه وهي المضاربة غير المشروعة على النقد، باعتبار أن ثبات النقد هو الشرط اللازم لاقتصاد منظم، وكل تعديل مفاجئ وهام على قوته الشرائية له مخاطره. يلف الغموض بشكل عام موضوع المضاربة على النقد، حيث تختلف الدول في نظرتها إلى هذا الموضوع، ففي نظام قائم على مبادئ الحرية الاقتصادية، تعتبر المضاربة على النقد أمراً مباحاً، شأنها شأن المضاربة التي تتم على المواد الأولية، وعلى كافة السلع والخدمات، وإن كانت في فترات الأزمات تعتبر شراً لا بد منه، إلا أنه من المستقر عليه أنها عندما تتحول عن إطار المشروعية، إذ لا يعقل أن تترك المضاربات الدنيئة والضارة بمصالح الشعب بكامله والتي تهدد الوجود الاجتماعي دون عقاب لقد أثيرت وما زالت تثار في قانوننا اللبناني، مشكلة عدم وجود نظام قانوني متكامل للمضاربة على النقد بشكل عام، وتحديداً عدم وجود أساس قانوني واضح الجريمة المضاربة غير المشروعة على النقد بشكل خاص، علماً أن الملاحقة الجزائية في هذه الجريمة تثير دائماً مشكلة العلاقة مع السرية المصرفية التي تستفيد منها تجارة العملات إلى حد كبير. وقد يصل الأمر في محاولة تجنب المضاربة غير المشروعة على النقد، إلى اتخاذ تدابير متعددة، تهدد بصورة كلية أو جزئية الحرية الاقتصادية، وذلك عند اتخاذ قرار بفرض قيود متعددة على الصرف. كما قد يتم الإقتصار على بعض القيود المعتدلة التي لا تهدد جوهر النظام الاقتصادي، عن طريق اتخاذ تدابير تحد بصورة غير مباشرة من إمكانية شراء وبيع العملات بوسائل محددة من السياسات النقدية. سوف نتناول موضوع المضاربة على النقد من خلال أحكام القانون اللبناني أساساً، مع المقارنة بالنصوص القانونية القائمة في فرنسا، نظراً للعلاقة التاريخية القائمة بين هذين القانونين وهذا لا يمنعنا من الإعتماد في نواح كثيرة على بعض الأحكام القانونية في كل من القانونين السويسري والمصري، نظراً لما للأول من عراقة في مجال السرية المصرفية، ولما للثاني من تجارب كبيرة في مجال القيود على الصرف،