وفيما يتعلق بالصراع حول القدماء والمحدثين فإننا نجد الجاحظ يسلك سبيلاً وسطا، فلم يقدّم الشعر القديم على حساب المحدث. ونجده ينتقد أولئك النقاد الذين يتعصبون للقديم متهماً إياهم بالجهل. ويقول في ذلك أنه قد رأى بعض هؤلاء من الرواة والنحويين واللغويين يرفض شعر المولدين بل ويسقط مَنْ يروي هذا الشعر. ومثل هؤلاء النقاد يراهم الجاحظ مثالاً على الراوي الذي يجهل كنه ما يرفض من الشعر، ولو كان له أدنى فراسة لتمكن من معرفة مواطن الجودة في الشعر بغض النظر عن شاعره أو زمانه . ومع غلبة الجانب النظري في نقد الجاحظ إلاّ أنه كان يبحث في بعض الأحيان يُنَفِّذ آراءه النقدية عند حكمه على الشعراء القدماء والمحدثين. ومن الأمثلة الدالة على اتجاهه المعتدل في النقد، موازنته بين الشاعرين المهلهل وأبي نواس وفيها يفضِّل الأخير على الأول. فالمهلهل قد وصف هيبة مجلس أخيه كليب وسكوت الناس فيه بقوله: أودى الخِيارُ من المعاشر كلهم واستبّ بعدك يا كليبُ المجـلسُ وتنازعوا في كُلِّ أمْر عظيمةٍ لوْ قد تكون شهدتهم لم ينبـسـوا . ويعلّق الجاحظ على ذلك بقوله أنّ أبيات أبي نواس في الحديث عن خبز إسماعيل وبخله به فيها من الحديث عن هيبة مجلس كليب أجود مما قاله المهلهل في بيتيه السابقين. على خُبْزِ إسماعيل واقية البخلِ فقد حَلَّ في دار الأمـان مـن الأكل وما خبزه إلاّ كآوى يرى ابنـه ولم يرى آوى في خُزُون ولا سَهل وما خبزه إلاّ كعنقاء معـــرب تصوَّرُ في بُسطِ الملوك وفي المَثلِ يُحدِّث عنها الناسُ مــن غير رؤيةٍ سوى صـورةٍ ما إنْ تمرُّ ولا تُـحلى وما خبزه إلا كليب بن وائل ومن كان يحمي عـزه منبت البقــل وإذا هو لا يستب خصمان عنده ولا الصوت مرفوع بجد ولا هزل فإن خبز إسماعيل حل به الذي أصاب كليبا لم يكن ذاك عن بذل ولكن قضاء ليس يستطاع رده بحيلة مكـرٍ ولا فـكـرة ذي عـقـل وفي موضع آخر كان الجاحظ يتحدث عن الكلاب فأورد أرجوزة لأبي نواس يصف سرعة الكلب قائلا: فانصاع كالكوكب في انحداره لفت المشير مـوهنا بـناره شدَّاً إذا أخصف في إحضاره خّرَّقَ أذنيه شبـا أظـفـاره وقد أنشد الجاحظ الأرجوزة بتمامها ثم علل ذلك بأنه أورد رجز أبي نواس للقارئ في ذلك الباب لأن أبا نواس كان عالما وراوية، وأنه لعب بالكلاب زماناً وهو يعرف عنها أكثر مما يعرف الأعراب؛ وهو يرى أن تلك الأوصاف قد جاءت في شعر مطبوع وصياغة جيدة، ومهارة فنية. ويقرر الجاحظ أن الناظر في شعر أبي نواس بعين الاعتبار لابد أن يفضله على غيره إلا إذا كان منساقاً وراء العصبية،