قويت آمال غير العرب في أن يستبدلوا -بالصبر والاجتهاد- عربية فصحى من عربية اللهجات الدارجة في محيطهم وقديمًا تملك الحسن البصري المتوفى سنة ١١٠هـ وهو ابن أحد أسارى الحرب من مدينة ميسان، أزمة العربية بحيث كان رجال ضليعون، كأبي عمرو بن العلاء ورؤبة، لا لما تحتويه من علم فحسب بل لصياغتها اللغوية كذلك وكثيرة هي الأخبار والروايات التي تطلب في وصف دقة إحساسه تجاه الأخطاء اللغوية١. واستتبع هذا المذهب الذي يرى أن العربية الفصحى هي العربية النقية من الشوائب التي لم تخالطها لغة أخرى، أنهم رأوا أن أفصح اللغات هي لغات البدو، وإذن فالطريق إلى الحكم على سلامة اللغة وفصاحتها ونقائها هو قياسها على لغة هؤلاء البدو، وقد واصل الخلفاء والكبراء ما اعتادوا عليه من تنشئة أبنائهم في البادية. "فهذا سليمان بن عبد الملك الذي كان يحسن الإشادة بقيمة الجمال اللغوي وذلك لأنه تأدب أدبًا رفيعًا، وكذلك كان أخوه مسلمة رفع الثقافة وكان يكره عمرو بن مسلم، لأنه كان يلحن في كلامه، منهم من اختص بأبناء شريف معين، وأشهر هؤلاء المدربين، الضحاك بن مزاحم وعامر الشعبي مربيًا أولاد عبد الملك ابن مروان ومحمد بن مسلم الزهري "مربي أبناء هشام بن عبد الملك" ١. وظهرت فئة أخرى من العلماء لم يكن همها الأول التدريس بل العلم، ونهلوا من معارفهم، ودونوا ما سمعوا، وأشهر هؤلاء أبو عمرو بن العلاء، وسيبويه٢ وتلاميذهم٣. يضاف إلى ما سبق ظاهرة أدبية أثرت تأثيرًا كبيرًا في الدراسات اللغوية، يعرضون للأمور الأدبية ويتبادلون فيها الآراء شارحين ناقدين، وحاول العلماء أن يهيئوا أنفسهم لإرضاء رغبات الخلفاء فجمعوا شعر الفحول والقبائل، وقد روي عن حماد الراوية أنه تأهب لمقابلة الخليفة الوليد بالنظر في "كتاب قريش وثقيف" ؛ لأنه كان يعتقد أن الخليفة سائلة عن أشعار القبائل التي هو على صلة بها١. وكان السبب المباشر الذي أظهر الدراسات اللغوية هو٢ العناية بالقرآن الكريم وقراءته وإقرائه، فكانت العناية بالقرآن دافعًا دينيًا لطائفة القراء الذين أدركوا ضرورة الانتفاع بهذه الدراسة في ضبط القراءة وضبط أصولها، وتوضيح آيات القرآن فما اتصل بالقرآن من علوم كان أولها ظهورًا وما ابتعد عنه كان من آخرها وليس من شيء أكثر صلة به من محاولة فهمه بإدراك غريبه ومشكله، فتفسير غريب القرآن ومشكله أولى الحركات العلمية التي رآها العرب١. ويقول الدكتور السعران: "نشأت الدراسات اللغوية عند العرب خدمة للقرآن الكريم" ٢.