إِلَّا أَنْ يَكُونُوا قَبِيلَةً فَيَدْخُلَ فِيهِ النِّسَاءُ دُونَ أَوْلَادِهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ ١). = وقفًا على البنينَ والبناتِ؛ لأنَّ المُوقفَ أَخرجَه عن ملكِه إلى ملكِ هؤلاءِ، لأنَّه عملٌ ليسَ عليهِ أمرُ اللهِ ورسولِه فِ، بل هوَ مُخالفٌ لأمرِ اللهِ ورسولِه وَلِهِ فإنَّه يَجوزُ ولا يَجبُ أن يَعدلَ بينَهم وهذا بالإجماعِ("، فإذا قالَ: هذا وقفٌ على بَني عبدِ اللهِ. فيُفرِّقُ النَّاسُ بينَ البنينَ والبناتِ، فإذا قالَ: هذا وقفٌ على بَني عبدِ اللهِ. فإنَّه يَكونُ للذُّكورِ دونَ الإناثِ، ويُعطَى الوقفُ بَني عبدِ اللهِ دونَ بناتِ عبدِ اللهِ. ١] قوله رَجَمَة لَهُ: ((إِلَّا أَنْ يَكُونُوا قَبِيلَةً فَيَدْخُلَ فِيهِ النِّسَاءُ دُونَ أَوْلَادِهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ) مثل بَني تميمٍ، فإذا قالَ: هذا وقفٌ على بَني تميمِ. ودليلُ ذلكَ قولُ اللهِ تعالى: ( يَبَنِي ءَادَمَ لَا يَفْيِنَتَّكُمُ الشَّيْطَنُ ) [الأعراف: ٢٧]، وليسَ يُخاطبُ الذُّكورَ فقَطْ، وقولُ النَّبيِّ وَلفِهِ ( يَا بَنِي عَبْدِ وَالقَرَابَةُ وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَقَوْمُهُ ١) يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالأُنَّثَى مِنْ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَبِيهِ فإذا وقفَ شخصٌ على بَني تَمَيمٍ فهوَ لذُكورِهم وإنائِهم، ولكِنْ هل يَدخلُ أولادُ الإناثِ؟ يُنظرُ إن كانَ أولادُ الإناثِ مِن بَني تميمِ دخَلوا أصلا؛ وإن كانَ أولادُ البَناتِ التَّميميَّاتِ ليسَ آباؤُهم مِن بَني تَمَيم، فلا يُعطَوْن منَ الوَقفِ على بَني تميمٍ. ما الَّذي يَدخلُ في مَدلولِها؟ يَقولُ المؤلِّفُ: 2. («يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى مِنْ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَجَدِّ أَبِيهِ»، فيَشملُ الذَّكرَ والأُنثَى مِنَ الفُروعِ إلى يومِ القيامةِ، ومنَ الأصولِ إلى الأبِ الثَّالثِ فقَطْ، فيَشملُ فروعَه وفروعَ أبيهِ وفروعَ جدِّه وفروعَ جدٍ أبيهِ، وعلى هذا: فإذا لم يَبقَ مِن هؤلاءِ أربعةِ البُطونِ إلَّا واحدٌ، والدَّليلُ على أنَّ القرابةَ تَختصُّ بهؤلاءِ أنَّ الَّبَّ وَلِلِوُ مُعْطِ مِن خُمسِ الغَنيمةِ إِلَّا مَن كانَ مِن بَني هاشمٍ وبَني المطَّلبِ )، وهاشمٌ بالنِّسبةِ للرَّسولِ وَالِ هوَ الأبُ الثَّالثُ، فدلَّ ذلكَ على أنَّ القَرابةَ تَختصُّ بهؤلاءٍ، لأنَّ أولادَه أشدُّ لصوقًا بهِ مِن آبائِه، كما قالَ النَّبيُّ لِ في فاطمةَ رَمِمَ لِلَهُ عَنْهَا: ((إِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي»(١). وقالَ بعضُ أهلِ العِلمِ: إنَّ القَرابةَ تَشملُ كلَّ مَنِ اجتمعَ بهِ في جدِّه الَّذي يَنتمي إليهِ، فَأَوَّلُ جَدٍّ يَنتمي إليهِ هذا الشّعبُ مِنَ القبيلةِ فإنَّ ذُرّيَّتَه همُ القَرابةُ، وعلى هذا فلا يَتقيَّدُ بالأبِ الثَّالثِ، وقالَ بعضُ أهلِ العلمِ: القَرابةُ ليسَ لَها حدُّ مَحدودٌ، فما تَعارفَ النَّاسُ عليهِ أنَّه قريبٌ فهوَ قريبٌ ولا نُحدِدُه بحدِّ. لكِنَّ القولَ الأوَّلَ هوَ أقربُ الأقوالِ: إنَّهم مَن كانوا مِن ذرِّيَّةِ أبيهِ الثَّالثِ. ويَليهِ قولُ مَن قالَ: إنَّهم مَن يَجتمِعون بهِ في أوَّلِ جدٍّ يَنتسِبون إليهِ. أمَّا القولُ الأخيرُ فهوَ ضعيفٌ. وفُهِمَ مِن قولِنا: إنَّه يَشملُ هؤلاءِ. أنَّه لا يَشملُ الأقاربَ مِن جهةِ أمِّه، فلا يَدخلُ في ذلكَ أبو أُمّه، اَ ف وم معطِ أَخواله مِن بَني زُهْرَةَ، فلَمْ يُدخِلْهم في قوله: (وَلِذِي ٱلْقُرْبَى). وقالَ بعضُ أهلِ العِلمِ: إذا كانَ مِن عادتِه أنَّه يَصلُ قرابةَ أمِّه دخَلوا في لفظِ القرابةِ؛ لأنَّ كونَه قدِ اعتادَ أن يَصِلَهم يَدلُّ على أنَّه أَرادَ أن يَنتِفِعوا بهذا الوقفِ، وهذا والعَجيبُ أنَّ بعضَ العُلماءِ قالَ بعكسِه، قالَ: إذا كانَ مِن عادتِه أنَّه يَصلُ أَقاربَ أمّه فإنَّهم لا يَدخُلون؛ لأنَّ تَخصيصَهم بصلةٍ خارجَ الوقفِ يَدلُّ على أنَّه لا يُريدُ أن يَنتِفِعوا مِن هذا الوقفِ بشَيء، لكِنَّ القولَ الَّذي قبلَه أَقربُ إلى الصَّوابِ: إنَّه إذا كانَ مِن عادتِه أنَّه يَصلُ أقاربَ أُمِّه دخَلوا في الوقفِ الَّذي قالَ: إنَّه على أَقاربِه. لأنَّ أهلَ بيتِه مِثلُ القَرابةِ تمامًا، والصَّحيحُ أنَّ زوجاتِه إذا لم يُطلَّقْهنَّ يَدخُلْن في أهلِ بيتِه، إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِرَكُمْ تَطْهِيرًا ) [الأحزاب: ٣٣]، وَأَنَّا خَيْرُكُمْ لِأَهْلي»(٢)، لأنَّ هذا هوَ عُرفُ النَّاسِ، لا يَقولُ النَّاسُ: إنَّهما أهلُ بيتِك. فأهلُ البيتِ عُرفَا همُ الَّذينَ يَعولُهم مِنَ الزَّوجاتِ والبَنينَ والبَناتِ، ولا يَدخُلْن في القرابةِ. وقوله: ((وَقَوْمُهُ)» جعَلَها المؤلِّفُ كلفظِ القَرابةِ وأهلِ البيتِ، لأنَّ القومَ في عُرفِ النَّاسِ وفي اللُّغةِ -أيضًا- أوسعُ مِنَ القَرابةِ، فالفَخذُ منَ القَبيلةِ قرابةٌ، وجدٍ أبيهِ. فإنَّ القومَ بلا شكٍّ أوسعُ؛ وهُم ليسوا مِن قراباتِهم، فإذا كانَ للقومِ معنّى مطَّرِدٌ عرفًا لا يَنصرفُ الإطلاقُ إلَّا إليهِ وجبَ أن يُتَّبِعَ؛ لأنَّ القولَ الرَّاجحَ في أقوالِ الواقِفينَ والبائِعينَ والرَّاهنينَ وغيرِهم: إنَّ المرجعَ في ذلكَ إلى العُرفِ. وقوله: («يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالأُنَثَى مِنْ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَجَدٍّ أَبِيهِ)»، يَعني: مِن أولادِه، وأولادِ أبيهِ الَّذينَ هم إخوانُه، وأولادِ جدِّه الَّذينَ هُم أَعمامُه، لكِنْ يُقدَّمُ بعضُهم على بعضٍ، فكلُّ مَن كانَ أقربَ فهوَ بالوقفِ أحقُّ، فإذا قُدِّرَ أنَّ أهلَ بيتِه خسُمائةٍ والوقفُ خمسُهائةِ درهمِ فهُنا لا يُمكنُ أن نُعطيَ الجميعَ؛ لأنَّ إعطاءَ كلِّ واحدٍ درهمًا لا يُفيدُ شيئًا، بل هُنا يَنبغي أن نَنظرَ إلى الأقربِ فالأقربِ، أو إلى الأحوج فالأحوج. أمَّا تَرتيبُهم فهذا يَرجِعُ إلى النَّاظرِ على الوقفِ. وَإِنْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ تَقْتَضِي إِرَادَةَ الإِنَاثِ أَوْ حِرْمَا نَهُنَّ عُمِلَ بِهَاا١). وَإِذَا وَقَفَ عَلَى جَمَاعَةٍ يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ وَجَبَ تَعْمِيمُهُمْ وَالتَّسَاوِي ٣)، ١] قوله رَجَمَهُ اللَّهُ: ((وَإِنْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ تَقْتَضِي إِرَادَةَ الإِنَاثِ أَوْ حِرْمَانَهُنَّ عُمِلَ بِهَا»، يَعني: إذا وُجِدَت قرينةٌ تَقتَضي إرادةَ الإناثِ فيما يَدلُّ اللَّفظُ على إخراجِهنَّ، أَو حِرمانِهنَّ فيما يَدلُّ اللَّفظُ على دخولِهنَّ فإنَّه يُعملُ بها؛ وذلكَ لأنَّ الألفاظَ تَتحدَّدُ معانيها بحسبِ السِّياقِ والقرائنِ؛ وإن كانَ اللَّفظُ لا يَقتَضي دُخولَهنَّ، وإن كانَ اللَّفظُ يَشمَلهنَّ. فهُنا تَصريحٌ، فيَدخُلنَ وإذا قالَ: هذا وقفٌ على أَوْلادي الَّذينَ يُجاهدونَ في سبيلِ اللهِ. لأنَّ الجهادَ يَختصُّ بالرِّجالِ، فالمهمُّ أَنَّنا نَعملُ بالقرائنِ في شمولِ اللَّفظِ للإناثِ أو عدمِه. ٢] قوله: (وَإِذَا وَقَفَ عَلَى جَمَاعَةٍ يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ وَجَبَ تَعْمِيمُهُمْ وَالتَّسَاوِي)»، والتَّساوِي. ويُعطَى كلُّ واحدٍ، لأنَّه يُمكنُ حصرُهم، وَإِلَّا جَازَ التَّفْضِيلُ وَالاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمْ )). فَصْلٌ وَالوَقْفُ عَقْدٌ لَازِمُ لا يَجُوزُ فَسْخُهُ٢)، فإن كانَ لا يُمكنُ حصرُهم فلهُ أن يُفضِّلَ بعضَهم على بعضٍ، ولهُ أن يُعطيَ بعضًا ويَحرمَ بعضًا؛ وذلكَ لأنَّه جرَتِ العادةُ أنَّ مَن لا يُمكنُ حصرُه لا تُمكنُ الإحاطةُ بهِ، وإذا وقفَ على ثلاثينَ فيُمكنُ حصرُهم، ويجبُ أن يُعمَّموا، فإن كثُرَ هؤلاءِ وصاروا قبيلةً لا يُمكنُ حصرُهم، وأن يُفضَّلَ بعضُهم على بعضٍ، لو قالَ: على بني فلانٍ. لأنَّ الحُكمَ يَدورُ معَ علَّتِه وجودًا وعدمًا. فهَلْ يَجبُ علَيْنا أن نُعمِّمَ الزَّكاةَ على الفُقراءِ جميعًا؟ وقَدْ قالَ النَّبُّ لِلَهِ لقَبِيصةَ رَمِلِلَهَنُ (أَقِمْ عِنْدَنَا حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ أو نُعطيَهم مُتفاضِلًا؛ ٢] قوله رَجَهَهُ اللَّهُ: ((وَالوَقْفُ عَقْدٌ لَازِمٌ لا يَجُوزُ فَسْخُهُ» يَعني: ثابتًا لا يُمكنُ تَغييرُه، = ولا يَجوزُ فسخُه؛ أو وقَفْت كِتابي. فإنَّه يَلزمُ، فالوَصيَّةُ ليسَت عقدًا لازمًا في الحالِ، بل لا تكونُ إلَّا بعدَ الموتِ. ولا يُمكنُ فسخُه، فيَجعلونَه وَصيَّةً مِن وجهٍ ووَقْفًا مِن وجهِ"، وهذا غيرُ صحيحٍ، فإمَّا أن نَقولَ: إنَّه يَلزمُ في الحالِ. وإذا قُلْنا بأنَّه يَلزمُ في الحالِ لزمَ، وحينَتذٍ يَكونُ مِنَ الثُّلثِ فأقلَّ، وهذا هوَ الصَّحيحُ؛ لأنَّ الرَّجلَ علَّقَ الوَقفَ بشرطٍ وهوَ الموتُ، فلا يُمكنُ أن يُنفَّذَ قبلَ وجودِ الشَّرطِ، مِثالُ ذلكَ: قالَ رجلٌ: إذا مِتُّ فبَيْتِي وقفٌ. ولا يُمكنُ أن يَبيعَ شيئًا مِن هذا؛ لكِنْ إذا ماتَ فإن أَجازَ الورثةُ الوقفَ نفذَ، وإن لم يُجيزوهُ لم يُنفَّذْ مِنه إلَّا مقدارُ ثلثِ التَّركةِ. والصَّوابُ: أنَّه لا يُنفَّذُ إلَّا بعدَ الموتِ، وأنَّه ما دامَ حيًّا فلهُ التَّغييرُ والتَّبديلُ والإلغاءُ، فإذا ماتَ فإن أَجازَه الورَثةُ نفذَ، وإن لم يُجيزوهُ نفذَ مِنه قدرُ ثلثِ التَّركةِ فقَطْ. وقوله: ((وَالوَقْفُ عَقْدٌ لَازِمٌ لا يَجُوزُ فَسْخُهُ»، لكِنْ إذا لم يُحجَرْ عليهِ وأَوقفَ، وكانَ عليهِ دَينٌ يَستغرقُ الوقفَ، فظاهرُ كلامِ المؤلَّفِ: أنَّ الوقفَ لازمٌ. لأنَّ قضاءَ الدَّينِ واجبٌ والوقفَ تَطوُّعُ، فهَلْ يَنفسخُ الوقفُ، أو نَقولُ: إنَّه لا يَنفسخُ؛ وقالَ شيخُ الإسلامِ رَجمَهُ اللَّهُ: لهُ أن يَبيعَه في دَينِه؛ لأنَّ هذا ليسَ أشدَّ مِنَ المدبَّرِ، وقد باعَه النَّبُّ وَلِلمِ في الدَّينِ وَلَا يُبَاعُ (١)، إِلَّا أَنْ تَتَعَطَّلَ مَنافِعُهُ٢)، 1. قوله رَحَمَهُ اللَّهُ: ((وَلَا يُبَاعُ)) يَعني: لا يُباعُ الوَقفُ؛ لأنَّ بيعَه يَقتَضي إبطالَ الوقفِ، لأنَّ أُجرتَه منَ المنفعةِ الَّتي سُبَلَت، وإذا قُلنا: لا يُباعُ. وهذا يَلزمُ مِنه إبطالُ الوقفِ، لأنَّه لو صحَ فلا فائِدةَ مِنه، إِذَنْ لا يَجوزُ بيعُه، ولا عقدٌ يُرادُ به بيعُه. كرجُلٍ أَوقفَ دارَه على أولادِه فانهدَمَتِ الدَّارُ، فيَجوزُ أن تُباعَ. وقوله: ((وَلَا يُبَاعُ إِلَّا أَنْ تَتَعَطَّلَ مَنَافِعُهُ)) ظاهرُه أَنَّه لا يُباعُ بأيّ حالٍ منَ الأحوالِ إلَّا في هذهِ الصُّورةِ؛ فعلى هذا لا يُباعُ بأيّ حالٍ منَ الأَحوالِ إلَّا في هذهِ الحالِ، فيَبقَى على ما هوَ عليهِ حتَّى تَتعطَّل، ولا يَكونَ فيه فائدةٌ. واختارَ شيخُ الإسلامِ رَجَمَه اللَّهُ جوازَ بيعِه للمصلحةِ بحيثُ يُنقلُ إلى ما هوَ أفضلُ (1)، واستَدلَّ لهذا بقصَّةِ الرَّجلِ الَّذي نذرَ إِنْ فتَحَ اللهُ على رَسولِه وَلِ مكَّةَ أن - يُصلِّيَ في بيتِ المقدسِ، فأَعادَ عليهِ مرَّتينِ أو ثلاثًا فقالَ: (( فَشَأْنَكَ إِذَنْ))()). فهُنا أَباحَ لهُ النَّبيُّ وَلِيفِ أن يَتحوَّلَ عنِ النَّذرِ منَ المفضولِ إلى الأفضلِ، ومَعلومٌ أنَّ نذرَ الطَّاعةِ واجبٌ، وما اختارَه شيخُ الإسلامِ رَجَمَهُ ٱلَّهُ هوَ الصَّوابُ. لكِنْ في هذهِ الحالِ يَجبُ أن يُمنعَ مِن بيعِه أو إبدالِه إلَّا بإذنِ الحاكمِ؛ لأَنَّه قد يَتعجَّلُ الموقوفَ عليهِ، ويَقولُ: أبيعُه لأَنقلَه إلى ما هوَ أفضلُ، ويَكونُ الأمرُ على خلافِ ظنِّه، لثلًا يَتلاعَبَ النَّاسُ بالأوقافِ. مِثالُ ذلكَ: إنسانٌ أَوقفَ عمارةً على طلَبةِ العِلمِ في مكانٍ كانَ مِن أحسنِ الأمكِنةِ حينَ الإيقافِ، فهَلْ يَجوزُ أن يَبيعَ هذهِ العمارةَ؛ لأنَّ مَنافعَها لم تَتعطَّلْ، وأمَّا على القولِ الرَّاجحِ فيَجوزُ، ولكِنْ لا بُدَّ مِن مراجعةِ الحاكمِ؛ لئلَّا يَتلاعبَ النَّاسُ بالأوقافِ. لكِنْ على ما سبَقَ أنَّه يُباعُ إذا كانَ فيهِ حاجةٌ أو مصلحةٌ. وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ )، وَلَوْ أَنَّهُ مَسْجِدٌ ٢ وَالتُه ٣) وإذا بِيعَ فماذا نَفعلُ بثَمِنِه؟ 1. قال رَحَمَهُ اللَّهُ: ((وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ) فإذا كانَ هذا وقفًا على الفقراءِ، لتَعطُّلِ مَنافعِه فنَصرفُ دراهِمَه إلى الفقراءِ، وأصلُ الوقفِ لا يُنقلُ ملكُه لا ببَيعٍ ولا بغيرِه. 2. قوله: (وَلَوْ أَنَّهُ مَسْجِدٌ)) يَعني: ولو كانَ الَّذي تَعطَّلَت مَنافعُه مسجدًا، كأَنْ يَكونَ المسجدُ في حيِّ ارتحلَ أهلُه عنه، لأنَّه صارَ ملكَه، والمهمُّ أنَّه زالَ عنهُ وصفُ المسجدِ، فيَجوزُ بيعُه والصَّدقةُ بِه وهِبتُه وغيرُ ذلكَ، وقوله: ((وَلَوْ أَنَّهُ مَسْجِدٌ» إشارةٌ إلى خلافٍ، لأنَّه وقفٌ لمصلحةِ المسلِمينَ، وما كانَ لمصلحةِ المسلِمينَ فإنَّ الفردَ لا يَتصرَّفُ فيهِ، ولكِنَّ هذا ليسَ بصَحيحٍ؛ ٣] قوله: ((وَالَتُهُ» أي: آلهُ المسجدِ، والمرادُ بناؤُه، أمَّا الآنَ فلا أَظنُّه يُمكنُ استِرجاعُ الآلةِ، اللَّهُمَّ إلَّا إن كانت أسياخَ الحديدِ فيُمكنُ، أمَّا الإِسمَنْتُ فلا، وَمَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ جَازَ صَرْفُهُ إِلى مَسْجِدٍ آخَرَ ١) وَالصَّدَقَةُ بِهِ عَلَى فُقَرَاءٍ المُسْلِمِينَ (١٢. فهَلْ لَنا أن نَبيعَ الآلةَ ونَشتريَ آلةً جديدةً قويَّةً؟ الجوابُ: نعَمْ، وتكونُ الآلةُ الثَّانيةُ بدلًا عنِ الأُولى، وحينَئذٍ لا يَضيعُ حقُّ الواقفِ. ١] قوله رَحَمَهُ اللَّهُ: ((وَمَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ جَازَ صَرْفُهُ إِلى مَسْجِدٍ آخَرَ))، فإنَّه يَجوزُ أن يُصرفَ إلى مسجدٍ آخرَ؛ لأنَّ هذا أقربُ إلى مَقصودِ الواقفِ، فإذا قدَّرْنا أنَّ هذا المسجدَ لَمَا هُدمَ حيثُ تَعطَّلَت مَنافعُه وأُعيدَ بناؤُه بقِيَ مِن آلتِه شيءٌ فإنَّنا نَصرفُه إلى مسجدٍ آخرَ، فإن لم يُمكِنْ صُرِفَ إلى جهةٍ عامَّةٍ يَنتفعُ فيها المسلمونَ عمومًا، ٢] قوله: ((وَالصَّدَقَةُ بِهِ عَلَى فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ))، لكِنَّ هذا القولَ ضعيفٌ جدًّا، لأنَّ المساجدَ نفعُها مُستمرُّ والصَّدقةَ نفعُها مؤقَّتٌ؛ لأنَّ نفعَها مَقطوعٌ، يَنتفعُ بها الموجودونَ الحاضِرونَ، فالصَّوابُ أنَّ ما فضَلَ عَن حاجةِ المسجدِ يَجبُ أن يُصرفَ في مَسجدٍ آخرَ، ما لم يَتعذَّرْ أو ما لم يَكُنِ النَّاسُ في مجاعةٍ فهُمْ أَوْلى؛ لأنَّ حُرمةَ الآدَميِّ أشدُّ مِن حُرمةِ المسجدِ ولا شكَّ. حتَّى لو فُرِضَ أنَّ المسجدَ مَسجدٌ جامعٌ فيَجبُ أن يُصرفَ في مَسجدٍ جامعٍ إن تَيسَّرَ، لأنَّ المسجدَ الجامعَ أكثرُ أجرًا وثوابًا؛ حيثُ إنَّه تُصلَّى فيهِ الجُمعةُ، ثُمَّ إنَّه في صلاةِ الجُمعةِ يَكونُ أكثرَ عددًا منَ المساجدِ الأخرى. والخلاصةُ: أنَّه متَى جازَ بيعُ الوقفِ فإنَّه يَجبُ أن يُصرفَ إلى أقرب مَقصودٍ الواقفِ، بحيثُ يُساوِي الوقفَ الأوَّلَ أو يُقاربُه حسبَ الإمكانِ. مَسألةٌ: لو أنَّ النَّاسَ -مثلا- اختاروا أن يُحوِّلوا المسجدَ المَبنيَّ مِن لبِنِ الطِينِ إلى مسجدٍ مسلَّحِ فهَلْ لهُم أن يَنقُضوا الأوَّلَ أو لا؟ هذا يَنبَني على ما ذكَرْناء لأنَّ منافعَ مسجدِ الطِّينِ لم تَتعطَّلْ، فعَلى رأيٍ شيخ الإسلامِ رَحَمَهُ اللَّهُ لا بأسَ()، لأنَّه لا يُمكنُ أن نُبطلَ أجرَ الموقفِ الأوَّلِ معَ إمكانِ استِمرارِ أجرِه، فيَكونُ للبانِي الأوَّلِ في مدَّةٍ يُقدَّرُ فيها بقاءُ المسجدِ الأوَّلِ، أمَّا ما زادَ علَيْها فأجرُها لصاحبِ المسجدِ الثَّاني، مثلًا: وقفَ على زيدِ ثُمَّ عمرو، وماتَ زيدٌ وماتَ عمرُو،