وصياغة العنوان على هذا النحو أريد بها استيقاظ النظر إلى أمور : أولها : إيثارنا مصطلح (الأسلوبيات اللسانية)) مقابلاً للمصطلح الإنجليزي واستبدالنا إيّاه بمصطلحين المي taislait اختلاف في الدرجة بينهما؛ وأما وجه إيثاره على الثاني فلأنه جاء على سُنَّة السلف في سَكّ المصطلحات الشبيهة كالرياضيات والطبيعيات، ولأنه يتّسق بهذا المبنى مع مصطلح ((اللسانيات)) و ((الصوتيات)) وغيرهما من المصطلحات ذوات العلاقة بما نحن صدده. إذ هو معالجة لسانية بالأصالة للعلاقة بين البلاغة العربية وهذا الفرع بخصوصه من فروع الدراسة اللسانية المعاصرة. وفي هذا ما يكفكف الرغبة الجموح في سياحة مرهقة بلا ثمرة ترجى في أن نجعل عيوننا وعقولنا على مشكلاتنا ؛ إلا بقدر ما تلبي حاجة، ثالثها : أن إقامة تصور للعلاقة بين البلاغة العربية والأسلوبيات أمر لا يُسلِم نفسه في يسر وإسماح لباحث؛ كانت نشأته تلبية لحاجة ملحة، وتوجه أصيل في الثقافة العربية الإسلامية. حتى حين فتحت أبواب الثقافة الإسلامية للإفادة من علوم الأوائل، ولم تفتقد هذه الثقافة يوماً معيارها الضابط لجميع توجهاتها، أما {الأسلوبيات)) فلا تزال باتجاهاتها وتصوراتها ذات الصلة الوثيقة باللسانيات الحديثة غريبة وافدة علينا، وما زال أهلها والمقتنعون بجدواها يبحثون لها عن دور تقوم به في إعادة صياغة النظرة العربية المعاصرة إلى دراسة النص الأدبي، ومن هنا تأتي الصعوبة في صياغة العلاقة بين علم رسا ورسخ، ونطرح بين يدي هذه المحاولة الأسئلة الآتية: ١) أي اتجاهات الدرس البلاغي هو المُغْنى هنا؟ وما علة اصطفائه دون غيره ليكون طرفاً في ميزان العلاقة التي يراد تحريرها؟ 2. إلى أي مدى كان الاتجاه المختار مرضيًّا من البلاغيين المحدثين؟ وما ملاحِظهم عليه؟ وما التقويم الذي نحسبه عادلاً لهذه الملاحظ؟ 3. ما حظ الصيغ التي طرحها بعض المحدثين لتجديد البلاغة من التوفيق؟ وما مكانها في مجال تحرير العلاقة بين (البلاغة العربية)) و (الأسلوبيات اللسانية»؟ 4. هل ثمة مباينة منهجية قائمة بين طرفي العلاقة؟ وما مسوغات هذا الرأي إن كان صحيحاً؟ وما عسانا نقول إذا أردنا أن نقوّم البلاغة العربية تقويماً لسانياً؟ وما ملامح التصور المقترح للعلاقة بين العلمين؟ هذه هي الأسئلة الأساسية التي نعالجها في هذا البحث، ومنها يستمد خطته وتبويبه. وحسبنا نبل القصد وإخلاص الجهد والعمل، ولعلنا نصل بالفحص عن أمر هذا المشكل إلى كلمة سواء. اتجاهات البحث البلاغي تختلف الدراسات التي عالجت تاريخ البلاغة اختلافاً كبيراً فيما سلكته من طرق لتصنيف اتجاهاتها وتقويمها، وأما شوقي ضيف فتحدث عن نشأة البلاغة، لتبدأ بعده ((دراسات منهجية) ثم اختفى التقسيم على أساس الزمان، والتقسيم على أساس الاتجاهات، ليظهر تقسيم آخر على أساس تقويمي، فتحدث عن والسكاكي في (مفتاح العلوم)) وتلخيصات الخطيب وشرحه. لأن أصحابها "إما انحرفوا عن طريق السكاكي، وجعل أهم هذه المصنّفات «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر)) لضياء الدين بن الأثير (٦٣٧ه) . والعناية بالتعريف الصحيح، مع الإقلال من الشواهد، والاعتماد على المقاييس الفلسفية من خلقيات وطبيعيات ونحوها، وجعل من سماتها المائزة ((الإكثار المسرف من الشواهد الأدبية نثراً وشعراً، مع الإقلال من التعاريف والقواعد والأقسام، أكثر من الاعتماد على الفلسفيات المختلفة والمنطقيات) (٥) . وقد اهتدى الخولي إلى هذا التقسيم، ومبحث (الأدب)) عامة، وبين المدرسة الفنية والبحث في بلاغة الأدب شعره ونثره. وكان لتقسيمه هذا صدى فيما تلاه من دراسات، إذ أقيمت كتب كاملة على أساس منه(٦) . ويرى الخولي أن المدرستين تسايرتا (على اختلاف في السعة والرواج، إلى أن غلبت المدرسة الكلامية أخيراً، وكونت الصورة التي وصل لنا بها أَرْوجُ ما يدرس ويعرف من المؤلفات البلاغية، فاحتكمت في تحديد مجال البحث البلاغي باعتبارات منطقية) . ويضع صيغته الهادفة إلى تحقيق ما ينبغي أن تكون عليه البلاغة في مستقبلها، وقد ذهب الخولي إلى تعذُّر التصنيف الحاسم للبلاغيين وللنتاج البلاغي إلى اتجاهات صارمة، وهذا حق لا مرية فيه، بيد أنّه لا يمنعنا من إضافة تصور نراه أجمع للصورة وأدنى للصواب، وبيان أصولها الفلسفية والنفسية. و ((القاضي عبدالجبار» (٤٠٥ه) في الجزء الذي أفرده لمبحث الإعجاز من «الخطابة) وكتاب ((الشعر))، لأرسطو، وما وضعه الفلاسفة المسلمون من تلخيصات لكتاب (الشعر)) خاصة، وقد توزع كتب هذا الاتجاه منحنيان تسايرا وامتزجا، فكان منها ما انصرف إلى شيء يشبه النقد التطبيقي، وإما في شكل موازنة بين أكثر من شاعر في مثل (الموازتة)) للآمدي، وإما في كتب أمحضت لمعالجة الفنون البلاغية من خلال النصوص في مثل (البديع) لابن المعتز (٢٩٦ه). ومن ثم لم يبلغ في مجال التنظير مبلغ أصحاب الاتجاه الأصولي، وإن وقع غير بعيد منهم، وأدنى إلى النقد العملي من كتب أهل الأصول. وعندنا أن السِّمَة التطبيقية التوظيفية مشتركة بين أكثر من نسبوا إلى المدرسة الكلامية ومن نسبوا إلى المدرسة الأدبية، إذ إن الشواهد من القرآن الكريم عند الأولين - وهو النص الذي نصبوا أنفسهم لمعالجته - جمّة موفورة، ولا نرى أيضاً ضرورة للفصل بين ما سمّاه شوقي ضيف الدراسات بعض المتأديين)) وما وضعه تحت عنوان (دراسات نقدية على أسس بلاغية)) ؛ ذلك أن الفصل الحاسم بين ما سمي من بعد (بلاغة)) وما هو (نقد) لم يكن له وجه قبل ظهور «مفتاح العلوم» إلا ما ندر، فأكثر السابقين للسكاكي هم نقاد بالأصالة وبلاغيون بالتبعية. وثالثها : اتجاه تقعيدي: كانت غايته تمييز حدود واضحة للعلوم البلاغية، وليس من شك في أن الذي افتتح هذا الصنف من التأليف هو الإمام أبو يوسف يعقوب السكاكي (٦٢٦ه)، وأنه نهج بذلك نهجاً فريداً كثر من بعده السَّالكوه، ذلك الذي ملأ الدنيا . هذا، والإقلال من الشواهد سمة مشتركة بين الاتجاهين الأصولي والتقعيدي(٨)، ويجمع بين الاتجاه الأصولي والوظيفي امتزاج البلاغة فيه بالنقد النظري أو التطبيقي في الأعم الغالب، وينفرد الاتجاه التقعيدي بأنه أقرب إلى البلاغة المحض . ونحاول أن نجد عليها رداً مقنعاً هي :