يُعدّ القانون الجمركي من الفروع القانونية التي تهدف إلى حماية المصالح الاقتصادية والمالية للدولة من خلال تنظيم حركة البضائع عبر الحدود وفرض الرسوم والضرائب المستحقة عليها. ومن أجل ضمان احترام هذه القواعد، والتي تتخذ صورتين أساسيتين هما المخالفة الجمركية والجريمة الجمركية. فالمخالفة الجمركية تتمثل في كل فعل أو امتناع عن فعل يشكل إخلالًا بالقواعد والإجراءات الجمركية المقررة قانونًا دون أن يصل إلى درجة الجسامة التي تميز الجرائم الجمركية. وغالبًا ما تتعلق هذه المخالفات بعدم احترام الإجراءات الشكلية أو التنظيمية التي يفرضها القانون، وتتميز المخالفة الجمركية بكونها أقل خطورة من الجريمة الجمركية، أما الجريمة الجمركية فتتمثل في كل سلوك غير مشروع يمس بصورة مباشرة النظام الجمركي أو الحقوق المالية للدولة، ويكون من شأنه الإضرار بالمصلحة الاقتصادية العامة. ويشترط في العديد من الجرائم الجمركية توافر عنصر القصد الجنائي المتمثل في إرادة الجاني تحقيق نتيجة غير مشروعة أو التحايل على القوانين الجمركية. أو الاتجار في السلع المحظورة خلافًا لأحكام القانون. ومن منظور القانون الجنائي العام، فإن الجريمة الجمركية تخضع للمبادئ الأساسية التي تقوم عليها الجريمة بصفة عامة، من حيث ضرورة وجود نص قانوني يجرم الفعل، وتوافر الركن المادي المتمثل في السلوك الإجرامي، غير أن خصوصية المجال الجمركي دفعت المشرع إلى إقرار بعض القواعد الخاصة التي تميز الجرائم الجمركية عن الجرائم العادية، أما المخالفة الجمركية فتبقى أقل جسامة، وتهدف العقوبات المقررة لها أساسًا إلى ضمان احترام النظام الجمركي وتحقيق الانضباط في المعاملات التجارية والحدودية. وعليه، إذ يترتب عليه اختلاف في طبيعة المسؤولية والعقوبات والإجراءات المتبعة في المتابعة والمحاكمة. فكلما ازداد الفعل خطورة وتأثيرًا على المصالح المالية والاقتصادية للدولة، انتقل من مجرد مخالفة جمركية إلى جريمة جمركية تستوجب تدخل القانون الجنائي بعقوباته الرادعة تحقيقًا لحماية النظام الاقتصادي وضمان احترام القواعد الجمركية. ويتميز إثبات المخالفة الجمركية بخصوصيات قانونية تميزه عن القواعد العامة للإثبات في القانون الجنائي، كما أضفى على بعض وسائل الإثبات، حجية خاصة تسهل الكشف عن المخالفات والجرائم الجمركية ومتابعة مرتكبيها. إلا أن هذه الحرية تتخذ طابعًا خاصًا نتيجة المكانة التي تحتلها المحاضر المحررة من طرف أعوان الإدارة الجمركية. سواء داخل المكاتب الجمركية أو بالمناطق الحدودية أو أثناء عمليات المراقبة والتفتيش. وتوقيع الأشخاص المختصين. كما يملك القضاء سلطة مراقبة مدى احترام الإدارة للإجراءات القانونية أثناء تحرير المحاضر وجمع الأدلة. جاز استبعاده أو الحد من قيمته الإثباتية حفاظًا على حقوق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة. وتبرز خصوصية الإثبات في المادة الجمركية أيضًا من خلال اعتماد الإدارة على وسائل تقنية ومستندية متعددة، وهو ما يبرر منح الإدارة صلاحيات واسعة في مجال البحث والمعاينة. ويتضح من ذلك أن خصوصيات إثبات المخالفة الجمركية ترتكز أساسًا على الدور المحوري لمحاضر الإدارة الجمركية باعتبارها وسيلة إثبات ذات قوة قانونية متميزة، تسهم في تحقيق التوازن بين حماية المصالح المالية للدولة وضمان احترام حقوق الأفراد. ولذلك تشكل هذه المحاضر أداة أساسية في مكافحة المخالفات والجرائم الجمركية وفي دعم فعالية الرقابة الجمركية وتحقيق الأمن الاقتصادي. تتميز المسؤولية في المادة الجمركية بخصوصية واضحة مقارنة بالقواعد العامة المقررة في القانون الجنائي والقانون المدني، ولهذا السبب وضع المشرع الجمركي نظامًا قانونيًا خاصًا للمسؤولية يهدف إلى ضمان فعالية مكافحة التهريب والغش الجمركي وحماية الخزينة العامة، من خلال توسيع نطاق الأشخاص الذين يمكن مساءلتهم وإقرار قواعد استثنائية تتلاءم مع خصوصية هذا المجال. فالمسؤولية الجنائية في المادة الجمركية تقوم أساسًا على ارتكاب فعل مجرم بمقتضى التشريع الجمركي، بل وسع دائرة المسؤولية لتشمل المساهمين والمشاركين وكل من ساعد أو سهل ارتكاب الفعل غير المشروع. خاصة أن هذه الجرائم غالبًا ما تتم في إطار عمليات معقدة تتداخل فيها أدوار عدة أشخاص. دون الحاجة إلى إثبات القصد الجنائي بالصورة التي تتطلبها القواعد العامة في بعض الجرائم العادية. كما أن العقوبات المقررة في المادة الجمركية لا تقتصر على الغرامات والحبس، وإنما تشمل كذلك المصادرة التي تعد من أهم الجزاءات المميزة للقانون الجمركي، حيث يمكن أن تنصب على البضائع محل المخالفة أو وسائل النقل والأدوات المستعملة في ارتكابها وفقًا للشروط التي يحددها القانون. وفي هذا الإطار قد يكون عدة أشخاص مسؤولين على وجه التضامن عن أداء المبالغ المستحقة، وهو ما يمنح الإدارة الجمركية إمكانية الرجوع على أي منهم لاستيفاء حقوقها دون الحاجة إلى تقسيم الدين بينهم. ويعكس ذلك حرص المشرع على حماية المصالح المالية للدولة وعدم ربط استيفاء حقوقها بشكل كامل بنتيجة المتابعة الجنائية. ويتضح من خلال ذلك أن القواعد الخاصة بالمسؤولية الجنائية والمدنية في المادة الجمركية تستند إلى اعتبارات تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني والخزينة العامة، وتؤدي هذه القواعد دورًا مهمًا في تحقيق الردع وضمان احترام التشريعات الجمركية والمحافظة على التوازن بين متطلبات حماية المصلحة العامة وضمانات الأفراد الخاضعين لأحكام القانون. وذلك بسبب طبيعة الوظيفة التي تضطلع بها إدارة الجمارك باعتبارها جهازًا مكلفًا بحماية الاقتصاد الوطني وتأمين الموارد المالية للدولة ومكافحة التهريب والغش التجاري، وفي الوقت نفسه ملزمة باحترام الحقوق والحريات الأساسية للأفراد. كما أقر عقوبات مالية وجنائية صارمة ضد مرتكبي أفعال التهريب والغش الجمركي، وحقهم في الدفاع وتقديم الأدلة والدفوع التي تثبت براءتهم أو تنفي ما هو منسوب إليهم. ليست أدلة مطلقة، يرى اتجاه آخر أن بعض الامتيازات الممنوحة لإدارة الجمارك، وبصفة عامة،