التقينا محاورنا بيجا في منزله في شمال فرنسا، المقابلة التي دامت ثلاث ساعات وعشرين دقيقة باللغة الدارجة المغربية في 11 كانون الثاني / يناير 2005 واستطعنا من خلالها الوقوف على تجربة هجروية تميزت بمعرفة عميقة لكل الفاعلين الرسميين والسياسيين المكلفين بتدبير شؤون الهجرة المغربية في فرنسا أو في المغرب. باعتبار الدور المهم الذي أداء في الشركة المنجمية التي عمل فيها من جهة، ولدى مواطنيه المغاربة من جهة أخرى، إنها ذاكرة حية تشهد على تجربتها الشخصية التي انخرطت بشكل كبير في تدبير شؤون بعض الجمعيات والوداديات التي كانت موجودة في فرنسا، ولعل الأهم بالنسبة إلينا هو النظرة النقدية الرزينة التي يحملها هذا الشاب عن ذاكرة أبيه بشكل خاص وذاكرة الهجرة بشكل عام، وتذكرنا هذه القراءة المزدوجة للذاكرة بقوة وعمق النص المتميز المكتوب باللغة الفرنسية لعبد المالك صياد عالم الاجتماع الجزائري الذي يحمل عنوان الأولاد غير الشرعيين (20) والذي يجعلنا نخوص في ماء لا ته من أجمال تأثرت شکا کس تناقضاتعالم الاجتماع الجزائري الذي يحمل عنوان الأولاد غير الشرعيين (20) والذي يجعلنا نغوص في صراع لا ينتهي بين أجيال تأثرت بشكل كبير بتناقضات الهجرة في المهجر. كان من الضروري استحضار التاريخ الاجتماعي والسياسي للمغرب المعاصر في علاقاته بتدبير النموذج الهجرة الاستعمارية (20) الذي دشن خلال أعوام ما بين الحربين، متميزا بما يمكن تسميته الهجرة الأبوية المراقبة». ا بيجا فاعل وشاهد على المراقبة الاجتماعية لمغاربة الشمال . وفعلا وظفت رسميا مترجما في إطار المراقبة الاجتماعية مع فيليكس مورا (20). أمضيت 32 عاما من العمل لفائدة المناجم حتى تقاعدت، ومنذ عام 1962 وأنا أتابع مخيمات السكن الخاصة بالمغاربة من أجل مساعدتهم وتقديمب انخراط بيجا في مأسسة وداديات المراقبة المشبوهة في عام 1973 عملت الحكومة المغربية على إنشاء وداديات مغربية في فرنسا، وبمساعدة القنصليات وسفارة المغرب في باريس، وتكلفنا نحن في قنصلية ليل بتأسيس ثلاث عشرة ودادية محلية وجهوية تمثل جهة والتحق بالشركة الوطنية المناجم شمال فرنسا في عام 1949 31) مقابلة شخصية بيجاء مدينة إيسكو (Escout) بشمال فرنساء 5 كانون الثاني / يناير 2005 كنت في مستوى المسؤوليات المخولة لي من رؤسائي، وسعيت على امتداد مساري المهني لمساعدة المغاربة على التكيف والاندماج في الشركة وتقديم النصح لهم (12). لكن ما لا يذكره محاورنا بشكل مباشر هو أن مأسسة هذه الوداديات كانت بدافع التجسس على المهاجرين المغاربة ومراقبتهم، لدي سبعة أولاد منهم ثلاث بنات وأربعة ذكور بمجرد طرح سؤال نقل الذاكرة المتعلق بالأولاد يتغير زمن السرد لمحاورنا وإيقاعه، وتوقف عن الكلام لمدة قبل أن يستمر بعد ذلك. وتجاه الآباء والعائلة بالنسبة إلينا، وليس الأمر كذلك بالنسبة إلى هذا الجيل الذي ازداد في فرنسا ولا يتضامن، ويمكن أن تتيقن أنه بعد موت جيلنا، فهل يمكن أن يموت هؤلاء الأبناء من أجل بلدهم؟ قطعا لا، فأنا أقولها بكل بصراحة: "إنهم أنانيون». فلم أتردد وقبلت هذا الزواج ولم أندم ولو مرة واحدة. من دون أي مشكلات على الرغم من أنني كنت أتعب من أجل كسب المال الضروري للعيش؛ لكن أبناء اليوم يريدون سيارة جميلة ومنزلاأجل كسب المال الضروري للعيش؛ لكن أبناء اليوم يريدون سيارة جميلة ومنزلا جميلا، وأعتقد أننا لم نستطع التكيف مع هذا الجيل من الشباب الذي لا هو فرنسي ولا مغربي ولا مسلم؛ إنه جيل مقطوع الصلة بثقافة الآباء مثل شجرة من دون جذورة (1)، كشف من خلال هذه الشهادة القيمة عن صفحة كاملة من تاريخ الهجرة المغربية إلى مناجم شمال فرنسا، بل إنه لا يزال يتقلد منصب أمين عام صندوق الجمعية على المستوى الفدرالي على الرغم من كونه مريضًا ومتقاعدا. إن كل ما لا يستطيع المهاجرون تفسيره يرجعونه إلى الله، ويجب هنا تفسير القدر كملجاً إلى المجهول. إنها مفارقة صعبة التفسير بالنسبة إلى المهاجر، لأنه فقد كل شيء يفعل تأثيرات الهجرة وباعتباره عاملا سابقا وزوجا وأبا ورب عائلة فقد هيبته ووظيفته الاجتماعية وسط أسرته الصغيرة. لكن الشيء المؤثر والمؤلم بالنسبة إلى مهاجرنا محاورنا هو فقدانه دور الأب، أو بالأحرى السلطة الأبوية التي تنازعتها أو تقاسمتها معه الزوجة وكذا الأبناء الذين يعتبرهم بمنزلة صعاليك». مصائب المهاجر لا تنتهي بتراكم الاحتقار والعراقيل الإدارية والتمييز العنصري والاجتماعي الذي يمحو وضعه الاعتباري كعامل منتج أصبح متقاعدا وعالة على المجتمع الفرنسي. إن كل مهاجر متقاعد يتمنى أن يعود إلى بلده، ما دام ينظر إليه كأجنبي في بلاد المهجر، ولعل كل مسلم يتمنى أن يعود إلى أهله من أجل أن يموت في أرض الإسلام، بناء على شهادة بيجا، نحن هنا أمام مهاجر ندم كل الندم على تربية أبنائه في فرنسا. يقول بيجا: الو تربى أولادي وعاشوا ودرسوا في المغرب لما كانوا مفرنسين ومغتربين. إن ما يمكن تحليله هنا هو الشعور بالمرارة وعقدة الذنب وتأنيب الضمير؛ لكن مسألة تربية الأولاد وعلاقتها بالموروث الثقافي لا تعني محاورنا بيجا وحده، لا المغاربة المهاجرين بل تستطيع تعميمها على جميع المهاجرين الذين يعيشون الأوضاع السوسيوتاريخية نفسها. يمكن تسطير مسارات جماعية تلتقي في خندق واحد ووحيد يكمن في تناقضات المهجر بصفة عامة.