بينما يكتب بقطعة فحمٍ على كرتونة مهترئة: “بابا راجع؟” هكذا يبدو المشهد في غزة بعد الحرب، بل يرسمون الفقد والخوف والدمار. تحوّلت براءة الأطفال إلى وجعٍ ناطق. تقول التقارير الحقوقية إن ثلثي أطفال القطاع فقدوا أحد أفراد أسرهم أو جميعهم، بينما تشير منظمات الأمم المتحدة إلى أنّ أكثر من مليون طفل في غزة بحاجةٍ إلى دعمٍ نفسي عاجل. لكن خلف كل رقمٍ طفلٌ له اسمٌ ووجهٌ حكاية لم تكتمل. طفولة بلا حقوق لكل طفل وطفلة في هذه الحرب حكاية ستدوم طويلاً في الذاكرة. ” تعرض عمر لصدمات متتالية ليجد نفسه قد اعتاد على طرق أبواب ثلاجات الشهداء، فالحرب خطفت منه بعد والده جده وجدته وعمه وصديقه المقرب. وعن معاناة الأطفال تقول والدة عمر: أُجبر عمر على تحمل مسؤوليات تفوق عمره، وجد نفسه يحمل عبء أسرة كاملة وسط النزوح والبؤس وفقدان البيت. والآن أحلم فقط أن أجد الطعام والماء لوالدتي وإخوتي، وأتمنى أن نحصل على خيمة خاصة بنا. بل واقع عشرات الآلاف من أطفال غزة الذين تحولوا بين ليلة وضحاها إلى أرباب أسر، بعد أن فقدوا آباءهم أو أمهاتهم في الحرب . مأساة ديمة في خيمة نزوح بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، تجلس الطفلة بيان (9 أعوام) وتحاول ببراءة طفولية أن تعلم أختها ديمة (5 أعوام) حروف الهجاء، ممن حرموا من التعليم وأصبحوا معيلين لأشقائهم بعد أن سلبتهم الحرب حقوقهم . فقدت الطفلة ديمة سالم، تقول عمة ديمة: “بعد استشهاد العائلة كانت صدمة الفقدان شديدة على الأطفال، التي لم تستوعب وفاة أسرتها بعد، فإن أكثر من 90 في المئة من أيتام غزة يعانون من اضطرابات نفسية حادة، تحاول ديمة وإخوتها أن يجدوا بصيص أمل وسط آثار الحرب والفقدان، اليوم، تعيش ديمة وإخوتها مع عمهم وزوجته التي تعمل أخصائية نفسية وتحاول توظيف خبرتها لدعم الأطفال نفسياً وحماية حالتهم العاطفية، في محاولة للتكيف مع حياة جديدة مليئة بالغياب والفقد. أرقام مفزعة بينما يداوي أطفال العالم جراحاتهم باقترابهم من والديهم خلال فتراتهم الحرجة، وفق ما تؤكده تقارير إحصائية وحقوقية . وبحسب وزارة الإعلام بغزة ، ارتفع عدد الأطفال الأيتام في قطاع غزة الى 57 الفاً، بعدما فقد 40 ألف طفل أحد والديهم أو كليهما في هذه الحرب، هذا عدا عن 700 طفل فقدوا أسرهم بالكامل وأصبحوا في خانة الناجين الوحيدين. كما استُشهد 1009 أطفال لم يتجاوزوا عامهم الأول، وفقاً لمكتب الاعلام الحكومي بغزة . آثار عميقة وتدوم طويلاً تقول الأخصائية النفسية والاجتماعية لطيفة شتات لـ ” الوعل اليمني”، وهي تعمل في مؤسسات المجتمع المدني بقطاع غزة معالجةً نفسية، إن أطفال غزة يعيشون حالة نفسية هي الأصعب منذ سنوات، بعد تعرضهم لصدمات مباشرة من قصف ونزوح وفقدان. لا تزيد من توتره وألمه. داعية إلى استمرار برامج الدعم النفسي لجميع الفئات في غزة دون توقف، لأن أثر الحرب النفسي لا يقل قسوة عن جراحها الجسدية. فكل خوفٍ عاشوه وكل ليلةٍ قضوها في العتمة ستظل تلاحقهم في مستقبلهم،