تشكل مسألة البيروقراطية احدى المواضيع الرئيسية التي اثارت الاهتمامات النظرية لماكس فيبر و نقطة بداية م. وأخذ من فيبر يتساءل حول ما إذا كان هناك نموذجا جديدا للتنظيم ومصدرا للشرعية أخرا خاصا بالعصر الحديث الذي أقبل عليه العالم الغربي فالبيروقراطية هي شكل من أشكال التنظيم ومن المميزات الأساسية للمجتمعات الحديثة الصناعية على الرغم من ان ماكس فيبر على يقين بأن البيروقراطية ليست حقيقة خاصة بالمجتمعات الصناعية الغربية. لأن هذا التنظيم عرفته كذلك بعض الحضارات القديمة كالصين الإمبراطورية الرومانية، اليونان القديمة، إلخ التي استعانت هي الأخرى و بمختلف أنظمتها، تسيرها كفاءات و مثقفين طبيعة هذه المجتمعات. فهذا النظام الاقتصادي و هذه المجتمعات الصناعية في حاجة إلى هذا التنظيم المبني على أساس عقلاني وقانوني و على قواعد ومبادئ منظمة من تقسيم للعمل، فماهي خصوصيات هذا التنظيم البيروقراطي الفيبري؟ و ما هي اهم الدراسات الميدانية والنظريات السوسيولوجية الأولى في ميدان دراسة المنظمات؟ و كيف 1 خصوصيات التنظيم البيروقراطي عند ماكس فيبر لان، يقول . م. فيبر، الانصياع للقانون يضمن الاستقرار في المنظمة و عندما تكون مصدر السلطة هي القوانين من السهل تقبلها من طرف الجميع ). عكس النموذجين الآخرين الذين يستمدان شرعيتهما من العادات الموروثة من الماضي أو من الكاريزمية التي تتمتع بها شخصية ما. لأن الجميع يخضع للقانون وليس للشخص الذي يجسد هذا القانون بفضل وظيفته. فنظرا لكل هذه المزايا، بأن البيروقراطية هي النموذج الذي احتذى به مسؤولين كبار في المؤسسات فبموجب هذا التنظيم البيروقراطية فان الموظفون الذين يشتغلون فيها يتم انتقائهم حسب الكفاءة المهنية والشهادة وانهم ليسوا منتخبين وانما يتم تعيينهم حسب وظيفتهم التي تحدد بصفة دقيقة وواضحة وتستجيب للنصوص القانونية المبنية على قواعد مجردة هذه القواعد المجردة تستبعد الطرق التعسفية والمحسوبية. ففي النظام البيروقراطي كهذا، يرى فيبر الموظفون يستجيبون للواجبات الموضوعية التي تمليها عليهم وظيفتهم ويخضعون كذلك للسلطة والرقابة المسؤول الذي يفوضه القانون. عنها لصالح شخص آخر. حسب الرتبة المنصب والمسؤوليات الموكلة لكل موظف. يفضل التعامل كتابيا. فكل الإجراءات القوانين المحاضر الأفعال والأعمال التي تقوم بها الإدارة، يتم إعلانها وتدوينها كتابيا. -3- التنظيم البيروقراطي الفيبري والدراسات السوسيولوجية الأولى حول المنظمات هذا التنظيم البيروقراطي الذي اشاد به ماكس فيبر أصبح نموذج التنظيم الذي تم تبنيه في مختلف المنظمات التي بدأ يتسع مجالها في ظل المجتمعات الصناعية الحديثة. بحيث نجد أن كل القطاعات القاعدية في هذه المجتمعات بما في ذلك الاقتصادية الاجتماعية السياسية الثقافية الدينية وغيرها، تديرها المنظمات. يتوفر في هذه المنظمات علما بأن المجتمعات الصناعية اصبحت مجتمع المنظمات و هي مجتمعات رفعت من مكانة العمل في المجتمع. بالإضافة إلى ذلك، معقدة بمستويات مختلفة ومتشعبة يجب التحكم فيها من أجل تسييرها بصفة فعالة. و من جهة أخرى، فعلى المستوى البشري، فان هذه المنظمات اضحت تشغل اعدادا هائلة من اليد العاملة بعدما كانت الصناعة هي التي تحتل المرتبة الأولى في نسب تشغيل العمال مع بداية الثورة الصناعية. فبروز قطاع الخدمات من ادارات، المكاتب المدارس البنوك المستشفيات، غيرت من طبيعة العمل و من موازين القوى بين فنتيجة لكل هذه التغيرات اصبح من الضروري الاعتماد على أساليب تنظيم عقلانية في هذه المنظمات. فاذا كانت المؤسسات الصناعية تستند على التايلورية كتنظيم عقلاني للعمل الصناعي من أجل تحسين أدائها منذ مطلع القرن العشرين، فإن الادارات وجدت في البيروقراطية التنظيم الأمثل لتسييرها لأنه يمتاز، حسب ماكس قصد مواكبة التغيرات الجذرية التي حدثت في ظل هذه المجتمعات. و يقول برنار موتزفي هذا الصدد " إن التطور المثير في عدد المنظمات والطبيعة الجسيمة للبعض منها، والسلطة التي يتمتع بها البعض الآخر، بالإضافة إلى درجة العقلانية الباطنية التي حققتها هذه المنظمات كل ذلك أثار وبحق، بعض القلق "(4). فابتداء من سنوات الأربعينات اتسع مجال الأبحاث الميدانية في الولايات المتحدة الأمريكية حول المنظمات تحت قيادة علماء الاجتماع لأن الإدارات الأمريكية العامة والخاصة التي وصلت إلى ذروتها في تلك المرحلة بدأت تعرف عدة مشاكل. و لقد توصلت هذه الدراسات إلى أن المنظمات الأمريكية تعانى من الخلل الوظيفي، من فلقد تبين بأن سبب هذا الخلل الوظيفي راجع الى كون ان النموذج البيروقراطي هدفه هو من أكبر قدر من القوانين من أجل ضبط تصرفات العاملين و ضمان الفعالية في المنظمات، في حين ان هذه الاجراءات القانونية عادة ما يترتب عنها نتائج عكسية و غير منتظرة و لحل المشكلة، كثيرا ما تقدم الإدارة على سن قوانين إضافية التي و بالتالي تبين بأن هذه القوانين هي التي من تخلق، في حقيقة الأمر، إلخ. و هذه النظريات جاءت كرد فعل للتنظيم البيروقراطي الفيبري بسبب البيروقراطية والمعوقات التنظيمية التي بدأت تعكر صفو تسيير المنظمات الأمريكية. الميدانية والنظرية التي بنيا عليها هذا العلم. فعلماء الاجتماع البيروقراطية من ت. بارسونز ر. ميرتون . قولدنر، ف. م. بلو، حاولوا بناء نظرية سوسيولوجية في إطار البنائية الوظيفية الدراسة ولفهم المنظمة نعني بعلماء الاجتماع البيروقراطية هؤلاء العلماء الاجتماع الأمريكيين الأوائل الذين بحثوا في موضوع البيروقراطية و كانوا يلقبون بعلماء الاجتماع البيروقراطية لانهم اقبلوا على دراسة المنظمات من باب البيروقراطية). أي أن نموذج فيبر للبيروقراطية ليس باستطاعته أن ينطبق على كل أشكال المنظمات عبر العالم، كما كان يعتقد ماكس فيبر. فعلى الرغم من ان علماء الاجتماع الأمريكيين لم يذهبوا إلى حد القيام بالقطيعة مع التنظيم الفيبري (5) ، قولدنر، ف. سيلزنيك، الخ. فهي نظرية التحليل الاستراتيجي لكل من . فريد برغ فكل هذه الدراسات شكلت القاعدة الميدانية والنظرية الأولى للعلم الاجتماع المنظمات و من بين المواضيع المحورية التي شدت انتباه هؤلاء الباحثين من خلال دراساتهم للمنظمة، هناك خاصة مسألة البيروقراطية الحلقات الفارغة ومناطق الارتياب فكل هذه الأبحاث الأولى عالجت هذه المسائل و التي تبينت في ما بعد بأنها تشكل البداية الأولى لعلم الاجتماع المنظمات. ميرتون من بين علماء الاجتماع الأمريكيين الأوائل الذين اهتموا بدراسة البيروقراطية لفهم المنظمة والعوائق الخاصة بتسييرها البيروقراطي مرتكزا على ثلاثة مفاهيم أساسية، وهي الوظيفة الظاهرة، و لقد لاحظ أيضا ر. ميرتون من خلال هذه الأبحاث وجود مشكلة مقاومة الأفراد للأدوار والقواعد الرسمية والتغير داخل المنظمات نتيجة تقديس القواعد والتغيير في الأهداف التي أخذت تطغى على المنظمات الأمريكية. ففيما يخص مسألة تقديس القواعد، علما بأن التنظيم البيروقراطي لا ينقطع عن عملية سن قوانين جديدة كلما اقتضى الأمر من أجل تقنين كل الأمور في المنظمة. ومن جهة أخرى، يرى ميرتون بأن هذا الامتثال الصارم والخضوع للقواعد والأوامر في المنظمة يترتب منه عدة سلبيات تعيق السير الحسن و الفعال للمنظمة. أضف الى ذلك، فإن التنظيم البيروقراطي القائم في المنظمة، والغاية منها هي الحاجة الملحة من طرف الإدارة المراقبة الموظفين وللتأكد من استقامة التصرفات ومن تطبيق البرامج المسطرة. فالبعض منها قائمة على الشكليات فقط والبعض الآخر، مبنية على الخضوع الكامل لهذه القواعد، فبالنسبة للموظفين الذين يعملون بعناية مفرطة بالشكليات، لأن كثيرا ما يؤدي هذا الأمر إلى تخلى الموظفون عن الغايات الأولى التي وضعتها المنظمة بسبب التشبث الشديد بهذه القواعد. وهذا ما يسميه ميرتون بتغيير الأهداف. بأنه كلما سعت المنظمة للعمل من أجل التحكم في العاملين فيها ومن أجل كسب التصرفات والسلوكيات النموذجية والضرورية لتحقيق الأهداف الرسمية والمرسومة، كلما أدى ذلك إلى تغيير هذه الأهداف من طرف الموظفين. فنقطة بدايته في علم الاجتماع المنظمات هي تلك الدراسة التي قام بها حول إعادة تنظيم مؤسسة أمريكية خاصة تعمل في استغلال وتحويل الجبس و انطلاقا من هذه الدراسة، وتوقف كذلك على البعض من الصعوبات التي يتلقاها المسؤولين لتطبيق القواعد والقوانين العقلانية والبيروقراطية. وانطلاقا من هذه الدراسة، بدأ قولدنر يفكر حول الظاهرة البيروقراطية، بحيث لاحظ بأن هذه الظاهرة التي كانت بالأساس أداة للمراقبة حولت إلى أداة لممارسة السلطة. فالتنظيم البيروقراطي والعقلاني الفيبري مبني على نموذجين مختلفين من السلطة التي هي السلطة المبنية على الخبرة والتي تلقى القبول والموافقة و السلطة المبنية على العقاب وهي ملزمة ومرغمة. و لقد توصل كذلك قولدنر إلى امكانية ايجاد ثلاثة اشكال البيروقراطية في نفس المنظمة والتي هي البيروقراطية الاصطناعية، البيروقراطية الممثلة و البيروقراطية العقابية. الضمان والكفالة المراقبة عن بعد تسليط العقوبات المساومة والخمول. وأكد على أن هذه القواعد تتضخم عندما تفقد الإدارة الثقة مع العمال ومع الإطارات على حد سواء (7). فلقد بين كيف أن هذه القواعد البيروقراطية التي تسعى إلى تحسين الرقابة وتقييم العمل بصفة عقلانية في المنظمة، تصبح أداة للسلطة ومصدرا للتوتر داخل المنظمة، بدلا من العمل على تخفيفها هذه التوترات) من أجل تحقيق جو إيجابي في العمل. و من جهته، فلقد اهتم فيليب سيلزنيك بالمنظمة وبالبيروقراطية بعد تلك الدراسة التي TVA, TVA قام بها في مؤسسة هي وكالة حكومية مكلفة بإدارة برنامج التهيئة )Tennessee Valley Authority الجهوية الخاصة بشبكة توزيع الطاقة في ولاية ألاباما. و لقد كانت هذه المؤسسة تعاني من عدة مشاكل ناتجة من طبيعة التسيير البيروقراطي القائم في هذه الوكالة ومنها مشكلة الخلل الوظيفي، تعدد مصادر مناطق الارتياب وبروز الحلقات الفارغة. اعتمدت هذه المؤسسة على سياسة جديدة من أجل عقلنة العمل والتحكم الفعال في التسيير. والغرض من ذلك هو تقوية الرقابة، إعطاء المزيد من الاستقلالية وتحفيز الأفراد في هذه المنظمة (1). هذا في ما يخص علماء الاجتماع الأمريكيين المنظويين في اطار البنيوية - الوظيفية. اما في فرنسا، فلقد شكلت كذلك مسألة البيروقراطية موضوع اهتمام العالم الاجتماعي الفرنسي م. كروزييه حيث قام خلال الخمسينات والستينات بعدة أعمال وتحقيقات ميدانية في ضواحي باريس وذلك في عدة منظمات ومن بينها وكالات التأمين، إدارة الصكوك البريدية، إدارة مؤسسة إنتاج التبغ في تلك المرحلة في فرنسا أين و جد فيها تقسيما و تنظيما بيروقراطيا للعمل. ولقد أجرى . م. كروزييه خلال هذه الدراسة، عمال الصيانة و الإطارات وبناء على هذه الدراسات الميدانية، هذه المنظمات يمتاز بأربعة خصائص والمتمثلة في اتساع رقعة القواعد اللاشخصية مركزية القرارات انعزال كل فئة هرمية عن الأخرى و بروز علاقات السلطة الموازية الحلقات الفارغة في المنظمة عند ر. و هذا ما يسميه بتغيير في الأهداف الذي يعتبر حسب ميرتون مظهر من مظاهر مقاومة الموظفين لهذه القواعد البيروقراطية الصارمة و سببا في خلق مشاكل بين هؤلاء الموظفين و الزبائن الخ. فهذه الصلابة و الجمود في مواقف الموظفين و سوء التكيف و المشاكل مع الجمهور يدفع بالمنظمة إلى القيام بسن المزيد من القوانين من اجل تعزيز الرقابة. فإندراسة ف. ومصدر الحلقات الفارغة بالنسبة لألفين قولدئر هو خاصة البيروقراطية العقابية. كما يعتقد ميرتون و انما سببها يكمن كذلك في الخصائص الأربعة التي تمتاز بها البيروقراطية في المنظمات الفرنسية. الاحباط النتائج السلبية، و كل هذه القرارات والقواعد تفضي الى انعزال كل فئة مهنية عن الأخرى و الى غلق كل قنوات الاتصال بين مختلف جماعات العمل ومع المحيط الذي تعمل فيه و نتيجة لكل ذلك، فإن المنظمة تقوم قصد التخلص من هذه السلبيات و من مختلف الامتيازات التي تستطيع كل فئة الحصول عليها بفضل هذه الأوضاع السائدة في المنظمة بوضع قوانين و قواعد جديدة بدلا من تغيير هذا النموذج الذي تعتمد عليه 3.3 مناطق الارتياب و في ما يتعلق الأمر بمناطق الارتياب، قولدنر في إطار دراسته في المؤسسة الخاصة باستغلال وتحويل الجبس، بأن المسؤولين لم يستطيعوا تعميم الأساليب البيروقراطية التي كانوا يعتمدون عليها في التسيير داخل المنظمة كلها. ففي داخل أنفاق المنجم مازال العمال الذين يشتغلون في هذه المناجم، يسيطرون على كل عمالا هذه مناطق الارتياب الموجودة في هذه المساحات لأن هؤلاء العمال، وهم الذين يتحملون كذلك الصعوبات التي تفرضها عليهم ظروف ووتيرة العمل في المنجم. فعلاقات العمل داخل المنجم يغلب عليها طابع غير الرسمي والتضامن بين العمال. وهذه القوة التي يتمتع بها العمال مصدرها يرجع إلى كون أنهم على علم بأنه من الصعب على المنظمة إيجاد يرغبون العمل في مثل الظروف الصعبة. إلا أنه من المستحيل معرفة كل ملابسات المنظمة. فهناك دائما مناطق الارتياب التي يستغلها الفاعلين فيها لكسب مزيدا من السلطة من أجل حماية مصالحهم ولتأثير على المنظمة وعلى أطراف أخرى فيها فبالنسبة لكل منم كروزييه و . فريد برغ، فإن الفاعلين في المنظمة لا يتحملون بصفة ساكنة كل الضغوطات التي تفرضها عليهم المنظمة والتنظيم الرسمي. بالعكس، و هؤلاء هؤلاء الفاعلين يستطيعون التنبؤ بكل مناطق الارتياب فيها والتي تشكل منبعا للسلطة الفاعلين يعملون كل ما في وسعهم من أجل حماية و استمرار هيمنتهم على هذه المناطق. وعلى هذا الأساس، الاجتماعية، الرمزية، إلخ. وهذا التفاعل المستمر القائم بين الفاعل والنسق الذي تمثله المنظمة، أساسي لفهم المنظمة حسب م. كروزييه فريد برغ و و من جهة أخرى، يقول كل من . لا تستطيع كذلك أن تمثل مناطق الارتياب هذه مواردا بإمكان استغلالها من طرف كل الفاعلين فيها قصد السيطرة عليها. وبالإمكان أيضا العثور على مناطق الارتياب مختلفة في إطار منظمتين بالرغم من أنهما متشابهتين و تستعملان نفس التكنولوجيا. لأن مناطق الارتياب أو الشك في المنظمة تكتسب معنا فقط في حالة ما إذا كانت هناك رغبة من طرف الفاعلين فيها للاستحواذ عليها من أجل بناء استراتيجياتهم (15). فريد برغ أربعة مصادر المناطق الارتياب