**الدرس الأول: مدخل عام للتدقيق** تُسجل التدفقات النقدية والمادية للمؤسسات والهيئات عبر النظام المحاسبي، الذي تطور ليصبح أداة رقابية أساسية ومصدرًا رئيسيًا للمعطيات المالية. يهدف التدقيق إلى حماية الأموال والممتلكات من التلاعب والاختلاس، وذلك بمراجعة وفحص المستندات والدفاتر المحاسبية والقوائم المالية، ليبدأ بذلك حيث تنتهي المحاسبة. **أولا- التطور التاريخي للتدقيق** تُغفل الأدبيات الغربية فترة ازدهار الحضارة الإسلامية المهمة في تاريخ التدقيق. فمنذ العصور القديمة حتى 1500م، كانت العمليات المالية الخاصة بالحكام والسلاطين تُسجل في دفترين منفصلين ويُقارن محتواهما لكشف الاختلافات التي تعبر عن الغش أو الاختلاس، بهدف التأكد من أمانة القائمين على الشؤون المالية بفحص كل العمليات بدون استثناء. في الحضارة الإسلامية، تقدم التنظيم الإداري والمالي، بانتشار نظام الحسبة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لمراقبة تحصيل الإيرادات وخاصة الزكاة، وتطور نظام الدواوين، ومنها رقابة ديوان بيت المال في العهد العباسي. لكن الاستعمار الغربي طمس معالم هذا النظام وأبرز النظم الغربية فقط. بين 1500 و1850، أدت الثورة الصناعية وظهور شركات المساهمة الكبيرة إلى انفصال ملكية رأس المال عن الإدارة، مما دفع الملاك والمساهمين للبحث عن طرف ثالث محايد يراقب أعمال الإدارة لضمان أمانتها وسلامة تصرفاتها وحماية أموال شركاتهم من الغش والتلاعب والاختلاس، وذلك بالتحقق من صحة وصدق محتوى القوائم المالية. بين 1850 و1905، ألزم قانون الشركات البريطاني عام 1862 شركات المساهمة بتدقيق حساباتها، وضرورة أن يتضمن تقرير المدقق رأيه حول ما إذا كانت الميزانية تشمل جميع البيانات القانونية وتُعبر تعبيرًا صحيحًا عن الحالة المالية للشركة. بعد 1905، كشفت أزمة الكساد العالمي العظيم (1929-1933) عن لجوء بعض الشركات إلى التضليل في قوائمها المالية بإظهار أرباح صورية غير حقيقية، وقد تضرر المساهمون والممولون (المقرضون) جرّاء هذا التضليل. دفع هذا المنظمات المهنية إلى وضع معايير وضوابط لممارسة مهنة المحاسبة والتدقيق. وتحول هدف التدقيق من اكتشاف الغش والأخطاء إلى إبداء الرأي الفني المحايد عن مدى عدالة القوائم المالية وتعبيرها الصادق عن الواقع الحقيقي للمؤسسة محل التدقيق. تميزت هذه المرحلة بظهور منظمات مهنية محلية وإقليمية ودولية، وإصدار معايير دولية متخصصة في المحاسبة والتدقيق للاسترشاد بها. **5 – التدقيق في الجزائر** ظهر التدقيق في الجزائر عام 1945 بتأسيس منظمة تحت تسمية "نقابة الخبراء المحاسبين والمحاسبين المرخصين". استمر العمل بالقانون الفرنسي إلى غاية عام 1969، حيث كُلِّف وزير المالية بتعيين محافظي الحسابات (المدققين) في الشركات العمومية، وأسندت هذه المهمة إلى موظفين لدى الدولة يعينهم الوزير. صدر مرسوم عام 1970 يحدد واجبات ومهمات مندوبي الحسابات للمؤسسات العمومية أو شبه العمومية، عقبه في عام 1971 صدور أمر رئاسي يتعلق بتنظيم مهنة المحاسب والخبير المحاسب وتم بموجبه إلغاء القانون المتعلق بالنقابة السابقة التي أنشئت عام 1945. استمر العمل بهذه النصوص القانونية إلى غاية عام 1991 تاريخ صدور القانون رقم 91-08 المتعلق بتنظيم مهنة التدقيق في الجزائر، ثم عُدل هذا الأخير عام 2010. وابتداءً من سنة 2015، شرع المجلس الوطني للمحاسبة في إصدار معايير التدقيق الجزائرية.