رابعاً- تقسيم العمل والتضامن الاجتماعي:تعد دراسة دوركهايم عن التضامن وتقسيم العمل في كتابه (تقسيم العمل الاجتماعي) أولى دراساته إذ يبحث في هذا الكتاب طبيعة التطور الاجتماعي والعوامل المؤدية إليه ويتفق مع سبنسر وأصحاب المذهب العقلي في أن تطور المجتمعات من بدائية إلى متحضرة يتبعه زيادة أكثر في توزيع العمل وفي تخصص الأفراد، ففي المجتمعات البدائية نجد أن تقسيم العمل أو توزيعه بدائي، فالأفراد يقومون تقريباً بنفس الأعمال.والفكرة الأساسية التي يدور عليها البحث هي علاقة الفرد بالتضامن الاجتماعي فإنه على الرغم من أن استغلال الفرد قد أخذ في الازدياد إلا أن اعتماده على المجتمع قد ازداد أيضاً، فكيف يمكن أن يكون الإنسان في فردية مستمرة وفي تضامن في نفس الوقت؟هذه هي المشكلة الرئيسية التي حاول دوركهايم أن يجد لها حلاً في هذا الكتاب، ولقد حاول كثيرون من العلماء دراسة موضوع تقسيم العمل ووضع تفسير لهذه الظاهرة، ومن هؤلاء العلماء "آدم سميث" (1723-1790) و"زميل" (1858-1918). وجد دوركهايم نفسه أمام مهمة تتلخص في ثلاث نقاط هي:أ- تحديد وظيفة تقسيم العمل، واكتشاف الحاجات الاجتماعية التي يتبعها تقسيم العمل.ب- تحديد الأسباب والظروف التي يرتكز عليها تقسيم العمل.ج- التحقيق في الاتجاهات غير الطبيعية والانحرافات الموجودة في هذا التقسيم.كان تحديده لهذه الوظائف الثلاث يؤدي به إلى مشكلة تتعلق بإيجاد ارتباط بين تقسيم العمل والحياة الخلقية؛ لأن هذا الارتباط هو الموضوع الرئيسي الذي يستحوذ على اهتمام دوركهايم.يعتقد دوركهايم أن ظاهرة تقسيم العمل ليست حديثة النشأة، ولكن الجانب الاجتماعي منها كان أكثر ظهوراً في أواخر القرن الثامن عشر، ولقد تطورت ظاهرة تقسيم العمل إلى الحد الذي جعلها عامة وواضحة لكل فرد، ولعل الاتجاه الذي اتخذته الصناعة الحديثة يكشف لنا بوضوح عن مدى عمومية وانتشار هذه الظاهرة، وهذه الصناعة تهدف إلى تقسيم العمل إلى أبعد الحدود، وأصبحت المهن منعزلة متخصصة ليست داخل المصنع فقط بل أصبح كل إنتاج في حد ذاته متخصصاً من ناحية، كذلك في معظم قطاعات المجتمع، سواء الوظائف الإدارية أم العلمية أم غيرها، ونجد شبيهاً لذلك أيضاً في الكائنات العضوية والمجتمعات. ويرى دوركهايم أنه لكي نصل إلى تعريف موضوعي لتقسيم العمل لا بد من ملاحظته ومقارنته ودراسته بوصفه حقيقة موضوعية، ولما كان تقسيم العمل يتضمن كلاً من القوة الإنتاجية وقدرة العامل، لذلك فهو شرط ضروري لتقدم المجتمعات، والوظيفة الأساسية لتقسيم العمل أنه ينشئ شعوراً بالتضامن والتماسك والترابط بين الأفراد، ويضرب لنا دوركهايم مثلاً بتقسيم العمل الجنسي وما يؤدي إلى التضامن وتقسيم العمل - علاوة على ذلك - له أثر ملحوظ وواضح في زيادة الوظائف المقسمة المتخصصة، كما أنه يحدث التضامن والترابط بين الأفراد والجماعات.1- كيف يؤدي تقسيم العمل إلى التضامن الاجتماعي؟ سواء في طريقة التفكير أم في الشعور، نشفق أحياناً على من لا يماثلنا، ولكن بصفة عامة يعد التشابه سبباً للجاذبية المتبادلة، وتقسيم العمل هو توزيع وحداته على أفراد عديدين، وهذا بدوره يؤدي إلى تماسكهم وتعاونهم مرة أخرى، على الرغم من اختلاف الأعمال التي يقومون بها، فكل عمل منها يعهد للثاني، وعلى ذلك فوظيفة تقسيم العمل هي أن نحقق بين شخصين أو أكثر شعوراً بالتضامن والتماسك والترابط، ولقد أخذ "كونت" بهذه النظرية، ويقول دوركهايم: إنه هو الوحيد من بين علماء الاجتماع الذين اعترفوا بأن تقسيم العمل هو الشرط الأساسي للحياة الاجتماعية.2- العلاقة بين درجة تقسيم العمل ودرجة نمو وتقدم المجتمع:ينتقل دوركهايم بعد ذلك لبيان أنواع التضامن في المجتمعات، وبيان نقصان درجة تقسيم العمل أو ازديادها،أي حينما يقل تقسيم العمل - كما هو الحال في المجتمعات البدائية - تجد مجموعة من الخصائص المميزة للحياة الاجتماعية تميز السلوك بوجه عام بالتجانس،• التجانس الفكري والعقدي.• انتماء القانون والأخلاق والضبط الاجتماعي إلى الضمير الجمعي.• تمييز الضمير الجمعي بالقوة والاستقلال.هذه النظرية مؤداها أن زيادة تقسيم العمل تزيد من سعادة الأفراد، ولكن الأمر على عكس ذلك، فإن زيادة عدد حالات الانتحار والاضطرابات العصبية، وعدم الرضا في المجتمعات التي يشيع فيها التباين الاجتماعي حقيقة موجودة في المجتمعات التي يزيد فيها تقسيم العمل، وأن الشعوب البدائية تعد سعيدة تماماً، ويقول دوركهايم: «إن أسباب تقسيم العمل يجب أن ينظر إليها في الظروف الاجتماعية ذاتها، وسنجد أن أحد العوامل الأساسية هو زيادة السكان وزيادة الكثافة السكانية، ويعني هذا أن تقسيم العمل يختلف باختلاف حجم كثافة المجتمع، أي أنه يرتبط مع عدد الأفراد في الجماعة ودرجة شدة التفاعلات الاجتماعية، ويؤدي ذلك إلى زيادة الصراع من أجل البقاء، ويؤدي ذلك أيضاً إلى أن الأفراد لابد أن يتخصصوا في أعمال متنوعة، وبهذا يقل الصراع بينهم».وهكذا نرى أن دوركهايم يضع كل ثقله في هذا التفسير على عوامل غير اجتماعية بكاملها، وهي عوامل بيولوجية "زيادة السكان"، وعدوا ذلك خروجاً على تأكيداته المستمرة في أن الحقيقة الاجتماعية لا تفسر إلا عن طريق حقيقة اجتماعية أخرى.تمثل دراسة دوركهايم عن الانتحار مكانة مهمة في الدراسات السوسيولوجية الأمريكية، وكتابته هذا - بإجماع معظم علماء الاجتماع - يعد رائداً في تطبيق المنهج الإحصائي في دراسة الظواهر الاجتماعية، وهم يرون أنها أكثر ما تكون دراسة إحصائية،ذلك لأنه يكشف لنا كيف يمكن أن ندعم البيانات التجريبية في موقف نظري معين، ولقد فضل دوركهايم دراسة هذه الظاهرة لأربعة أسباب:• اعتقاده بأنه يمكن تعريف كلمة الانتحار بسهولة.• أن الإحصاءات المتعلقة بهذه الظاهرة متعددة وفي متناول اليد.• أن هذا الموضوع له أهمية خاصة نظراً لزيادة معدلات حالات الانتحار على ما كانت عليه خلال القرن التاسع عشر.• أراد أن يفحص الأعمال العلمية أو غير العلمية التي تتعلق بموضوع الانتحار، مثل دراسات "أوجل" و"لومبروزو" و"مورسيلي" و"فيري" وبذلك لا تعد دراسة دوركهايم عن الانتحار مجرد عمل أكاديمي، ولكنها دراسة متعمقة لمشكلة عامة في حاجة ماسة إلى العلاج.ذهب دوركهايم من البداية إلى أنه من السهل أن يقدم تعريفاً لهذه الظاهرة، ولكنه يرى أن هناك مجموعة من الصعوبات ترتبط بتقديم تعريف محدد لها، وبعد إجراء تعديلات قدم دوركهايم التعريف الآتي:«يشير الانتحار إلى كل حالات الموت التي تكون نتيجة مباشرة لفعل إيجابي أو سلبي قام به الشخص المنتحر وهو يعلم أنه سيؤدي إلى هذه النتيجة».وينتقل دوركهايم بعد ذلك لمناقشة نقطة مهمة وهي المجموع الكلي لحالات الانتحار في بلد معين يسمح لنا أن نحسب معدلات الانتحار، هذا المعدل هو ما يطلق عليه اسم (الظاهرة الاجتماعية) وعلى هذا الأساس يعد دوركهايم أن دراسة الانتحار هي من صميم اختصاص عالم الاجتماع.1)- الانتحار والمرض العقلي: يهدف دوركهايم منذ البداية إلى إثبات عدم أهمية هذه العوامل، فيذهب إلى أن هناك اعتقاد بأن هناك علاقة مباشرة بين الانتحار والعاهة العقلية أو الاختلال العقلي، وقد انتهى عدد من الباحثين في هذا الصدد إلى أن الانتحار نوع من المرض، وله مقال في ذلك «الانتحار بوصفه مرضاً» ولكن دوركهايم يرى أن تفسير الانتحار بالإضافة إلى المرض العقلي أمر لا تؤكده الوقائع التجريبية، ويدلل على ذلك بما يأتي:• أ- إن الإحصاءات لا تشير إلى ارتباط ذي دلالة بين المرض العقلي والانتحار.• ب- إن نسبة الاختلال العقلي ترتفع بين اليهود إلى أعلى من المتوسط، بينما نلاحظ أن نسبة الانتحار عندهم أقل من المتوسط.• ج- التناقض بين معدل الانتحار والأعمال المختلفة التي يصاب فيها المرء بالاختلال العقلي.• د- إن البلاد التي يزداد فيها الأفراد المصابون بالأمراض العقلية تقل فيها معدلات الانتحار، ولقد انتهى دوركهايم إلى عدم وجود علاقة بين الانتحار والإدمان على المشروبات الروحية، وكذلك العوامل التكوينية.2)- الانتحار والعوامل الكونية: وضح دوركهايم عن تلك المجموعة الثانية من العوامل التي يطلق عليها العوامل الكونية، كالعلاقة بين المناخ ومعدل الانتحار، وذهب بعضهم إلى أن الانتحار يزداد في فصل الصيف نظراً لارتفاع درجة الحرارة، ويرى دوركهايم أن الحرارة لا يمكن أن تكون هي السبب الذي يدفع الناس إلى قتل أنفسهم بأنفسهم، وضرب مثلاً بالجنود الفرنسيين وانتحارهم أثناء انسحابهم من موسكو عام 1812م، وكانت درجة الحرارة منخفضة جداً، ثم لاحظ كذلك أن معدل الانتحار لا يرتفع في جنوب أوروبا عن شمالها. ثم ينتقل دوركهايم بعدذلك إلى بحث علاقة الانتحار بطول النهار، ويدل على ذلك أنه من الخطأ القول بأن ضوء النهار هو السبب في الانتحار، بل إنه يمكن القول إن الانتحار يرتبط بالنشاط الاجتماعي الذي يزداد أثناء النهار فقط، ويدل على ذلك بازدياد الانتحار في المدن عنها في الريف لزيادة الأنشطة الاجتماعية فيها.3)- الانتحار والتقليد والمحاكاة: تساءل دوركهايم إلى أي مدى يمكن أن يكون التقليد الذي يخلو من أي دافع سبباً في الانتحار؟ويقول في الرد على ذلك «إذا كنا نلاحظ حالات انتشرت فيها موجة من الانتحار بفعل العدوى، فإن ذلك لا يشير إلى أن هذه الحالات من الانتحار ترجع إلى شخص معين هو أول من أقدم على ارتكاب الانتحار، بل هي في الحقيقة فعل اجتماعي" أي أن الجماعة كلها قد عقدت العزم على الموت" وأن الجماعة قد تصرفت كلياً نتيجةً لتأثير عامل معين في جميع الأعضاء، وينتهي إلى أن التقليد لا يقدم لنا تفسيراً لظاهرة الانتحار؛3- الأسباب والنماذج الاجتماعية:بعد أن استبعد دوركهايم العوامل غير الاجتماعية في تفسير ظاهرة الانتحار ينتقل مباشرة إلى معالجة الأسباب الاجتماعية التي تحدد هذه الظاهرة، وذلك عن طريق حصر حالات الانتحار في ثلاثة نماذج، يتضمن كل نموذج منها مجموعة من الأساليب الاجتماعية التي تؤدي إلى حالات تندرج ضمنه،وهو الذي يرجع إلى مشاركة الفرد غير المرضية ولا الكافية في حياة الجماعة، ولذلك فإن الفرد الذي يظل عزوفاً عن الجماعة الاجتماعية، والذي يتابع أهدافه الشخصية لا يجد سبباً لبقائه فيلجأ إلى الانتحار، ويبحث دوركهايم بين الدين والانتحار ويلاحظ من واقع الإحصاءات أن معدل الانتحار يزداد في الدول البروتستانتية في أوروبا عنها في الدول الكاثوليكية، ويرجع ذلك إلى ما يتوفر لدى البروتستانت من الحرية في البحث والتفكير، فضلاً عما يشيع بينهم من فردية نتيجة للتكامل بين جماعاتهم، وعلى ذلك يكون نقصان الروابط الاجتماعية بين البروتستانت عاملاً مؤدياً إلى ارتفاع معدل الانتحار بينهم، ثم يربط دوركهايم بعد ذلك بين الدين والتعليم وزيادة نسبة المتعلمين في البلاد البروتستانتية وبالتالي ترتفع فيها معدلات الانتحار، وبذلك فالمستوى التعليمي الضعيف المنفصل لدى النساء يساعد على تفسير استعدادهن الضعيف للانتحار، ولكنه يقول: إن زيادة التعليم لا يمكن أن تؤدي إلى الانتحار.يلخص ما سبق في أن ضعف الترابط في مجتمع الفرد الديني ونقص التماسك هما المفسران للانتحار، ثم يعالج بعد ذلك العلاقة بين الانتحار والأسرة والمجتمع السياسي، وقد انتهى إلى النتائج التجريبية الآتية:• يؤدي الزواج المبكر إلى الانتحار وخاصة بين الرجال.• يقل الميل إلى الانتحار ابتداء من سن العشرين للمتزوجين من الجنسين عنه بين غير المتزوجين.• تزداد نسبة الانتحار بين العزاب من الجنسين عنها بين المتزوجين.• تقل نسبة الانتحار بين النساء عنها بين الرجال.• تقل نسبة الانتحار بين النساء غير المتزوجات عنها بين الرجال؛ لأن الرجل يستفيد من الزواج أكثر من المرأة.• تزداد نسبة الانتحار بين الأرامل عنها بين المتزوجين.• تقل نسبة الانتحار بين المتزوجين الذين لديهم أطفال عنهم بين المتزوجين الذين ليس لديهم أطفال.• تقل نسبة الانتحار بين الأرامل الذين لديهم أطفال عنها بين الذين ليس لديهم أطفال.• تقل نسبة الانتحار في فترات الاضطراب السياسي والحروب، وذلك لأن هذه الحوادث تؤدي إلى ربط المجتمع وازدياد درجة التماسك الاجتماعي. كل هذا يفسر ما ذهب إليه دوركايم من أن الانتحار يرتبط بضعف الروابط الاجتماعية في الجماعة، وبشيوع الفردية والعزلة الاجتماعية للفرد، وكلما زادت درجة التكامل الاجتماعي، ازدادت شبكة الصلات الاجتماعية، وترتب على ذلك انخفاض معدلات الانتحار.ثم يقدم دوركهايم القضايا التفسيرية الآتية:• أولاً: تختلف معدلات الانتحار مع درجة تكامل المجتمع الديني.o ثانياً: تختلف معدلات الانتحار عكسياً مع درجة تكامل المجتمع الأسري.o ثالثاً: تختلف معدلات الانتحار عكسياً مع درجة تكامل المجتمع السياسي.• وبذلك يكون الانتحار نتيجة للتكامل الاجتماعي، وفيه ينعزل الفرد باستمرار عن الحياة الاجتماعية، ويفرض (الأنا) الفردي فيها ذاته لكي يقف في وجه (الأنا) الاجتماعي، فالانتحار الأناني ينبثق إذن عن النزعة الفردية المتطرفة.وهو يرجع إلى شدة اندماج الفرد بالجماعة حتى يفقد فرديته في الجماعة التي ينتمي إليها انتماءً كلياً،يعتقد أن الأمر متروك إليه في تحديد أفعاله، لأن إرادته منفصلة عن إرادة الجماعة، أما في الانتحار الغيري فعلى العكس من ذلك؛ إذ إن إرادة الفرد مرتبطة بإرادة المجتمع، ويفعل ما تمليه عليه الجماعة التي ينتمي إليها، والفرد يعبر عن اندماجه الاجتماعي بشعوره الدائم أنه على استعداد لأن يضحي بنفسه في سبيل الجماعة وعلى ذلك فإن المجتمع هو الذي يحدد حالات الانتحار، وهو الذي يجبر أفراداً معينين على أن يقتلوا أنفسهم بأيديهم، ويقرر دوركهايم أن الانتحار الغيري هو النمط الشائع في المجتمعات البدائية مثل:• أ- الموت الذي تتطلبه الواجبات في مظاهر حياتهم.• ب- حالات يقبل فيها النساء على الانتحار عقب وفاة أزواجهن.• ج- انتحار العبيد نتيجة لموت أسيادهم. فقد تدربوا على أن يندروا أنفسهم في سبيل الجماعة ويضحوا من أجلها، فالحياة عندهم ليست ذات قيمة وبذلك ترتفع بينهم نسبة الانتحار الغيري.وإنما يقدم عليه الذين لا يسيروں على القواعد التي رسمها المجتمع، فيصبحون بلا معيار يحدد نمط سلوكهم أو طريقة انتمائهم للجماعة، وغالباً ما ينتج عن تدمير مفاجئ للتوازن الاجتماعي والبناء الأخلاقي في المجتمع، كأن ترتفع معدلات الانتحار في الأزمات الاقتصادية أو الإفلاس، وهذا يسبب تحطيم التوازن الاجتماعي، كذلك الأمر في الانتعاش الاقتصادي، مما ينتج عنه انهيار النظام السياسي والاجتماعي القائم، ويؤدي إلى تحطيم ما يسميه دوركهايم باسم (النظام الجمعي)، والسبب في ذلك راجع إلى أن فيحالات الثبات تكون مستويات الطموح واضحة محددة لكل شخص، والسبب في حالات الاضطرابات أن مستويات الطموح تكون غير واضحة، وتكون هناك هوة بين ما يطمحون إليه وما يستطيعون تحقيقه فعلاً وذلك يؤدي إلى زيادة معدلات الانتحار، ولكن هناك أزمات مثل الحروب تؤدي إلى خفض معدلات الانتحار، بينما هناك أزمات أخرى تؤدي إلى ارتفاع هذه المعدلات، وهذا يفسر بأن الأزمات من النوع الأول تؤدي إلى التماسك الاجتماعي حتى يقف الأفراد وحدة متكاملة. أما في النوع الثاني فالأزمات تكون من القوة بحيث تحطم الترابط الاجتماعي، مما يؤدي إلى زيادة معدلات الانتحار، ويرفض دوركهايم أن يكون الفقر عاملاً من عوامل الانتحار، ويقول: إن الفقر عامل يحمي الفرد من الانتحار، ذلك لأنه يعرف ما يمتلكه وما يأمل في الوصول إليه.هذه هي النماذج الاجتماعية للانتحار، وهي تكشف عن موقف دوركهايم في تفسير هذه الظاهرة، فالانتحار ظاهرة اجتماعية، وهي لذلك لا يمكن أن تفسر في ضوء العوامل السيكولوجية للفرد بقدر ما ترجع إلى:• أ- الاختلاف في البناء الاجتماعي.• ب- درجة التضامن الاجتماعي.• ج- درجة الامتثال في المجتمع.صفوة القول أن دراسة دوركهايم للانتحار تعد أكثر من مجرد تحليل إحصائي؛ ذلك لأن دوركهايم كان معنيّاً خلال دراسته ببيان كيف تساند الحقائق الواقعية النظرية السوسيولوجية، وفي هذه الحالة كان يريد أن يكشف عن خاصيتي الخارجية والجبرية للحقائق الاجتماعية.سادساً- التفسير الاجتماعي للدين والأخلاق والمعرفة والقيم:يقدم لنا دوركهايم في كتابه "الصورة الأولية للحياة الدينية" تحليلاً دقيقاً لصور ومصادر وطبيعة وآثار الدين، والفكرة الأساسية التي تدور حولها الدراسة هو أن الدين يعد شيئاً اجتماعياً،الأولى: أن الأفكار والممارسات الدينية تشير وترمز إلى الجماعة الاجتماعية. الثانية: هي أن الجماعة تفرض نظاماً خلقياً، يستفيد منه الفرد بإخلاصه لهذه القيم الخلقيةيجمع معظم العلماء المحدثين على أن دوركهايم يمثل اتجهاً خاصاً في علم الاجتماع، ويتمثل ذلك في تأكيده على أهمية الواقع الاجتماعي وضرورة تفسيره استناداً لظواهر اجتماعية خالصة، فضلاً عن أن دوركهايم أدرك ضرورة مراعاة الموضوعية الكاملة بصدد دراسة الظواهر الاجتماعية بوصفها أشياء، وكذلك حين طالب أن يتجرد من عواطفه عند الدراسة، وضرورة تعريف موضوعات الدراسة بطريقة دقيقة. وبالرغم من الجهود التي قدمها دوركهايم، هناك بعض المآخذ على أعماله،• إن دوركهايم في تحديده للظاهرة الاجتماعية بالجبرية والتلقائية قد طمس فاعلية الإنسان وجعله عبداً لمصير مجهول.• لقد خلط دوركهايم بين الظاهرة الدينية والظاهرة الاجتماعية، وذهب إلى أن الدين من صنع المجتمع، وأنه ينحصر في عبادة المجتمع نفسه؛ ولأن هذا العقل مصدر كل شيء حتى الدين نفسه.• إن أهم ما يوجه إلى دوركهايم أنه غالى في تفسير الحقيقة الاجتماعية بحقيقة اجتماعية من صيغتها، وفي استبعاد بعض المؤثرات الأخرى في الحياة الاجتماعية.• وعلى الرغم مما قيل عن دوركهايم فإنه لا يقلل من أهمية الجهد الذي بذله في إرساء النظرية السوسيولوجية فالفضل يرجع إليه في تحديد موضوع ومجال علم الاجتماع، كما أنه كان رائداً في استخدام المنهج الإحصائي في دراسته من أجل الوصول إلى درجة عالية من الدقة والموضوعية في العلوم الاجتماعية، كذلك إدراكه للعلاقة الديناميكية بين النظرية والواقع حين حاول أن يدعم موقفه النظري بمجموعة من الدراسات التجريبية، ومع هذا سيظل دوركهايم رائداً من رواد علم الاجتماع ليس على مستوى فرنسا وحدها، وإنما على مستوى العالم بأسره.Portrait of Max Weber, a German sociologist and politician, wearing a suit and bow tie.ماكس فيبر (1864 – 1920م)يعد ماكس فيبر (1864- 1920) من أبرز علماء الاجتماع الذين أثروا تأثيراً واضحاً في الفكر السوسيولوجي. ويرجع نسبه إلى أسرة ألمانية عريقة، ولقد ورث فيبر عن والده هذه النزعة،طبيعياً أن يتجه فيبر إلى دراسة القانون والاقتصاد، واختير عضواً في اللجنة التي وضعت دستور ألمانيا عام 1919م المعروف باسم (دستور فيمار). والحق أن فيبر شغل مناصب جامعية مختلفة،لاقتصاد في جامعة فرايبورج (1893م)، ثم في وظيفة مماثلة في جامعة هايدلبرج، وفي سنة 1900م أصيب بانحيار عصبي حاد أقعده عن نشاطه الأكاديمي حتى عام 1918م. حيث سافر إلى أمريكا عام 1904م ثم فيينا عام 1918م.وترك فيبر العديد من الأعمال العلمية التي تناولت موضوعات متعددة مثل: علم الاجتماع، علم الاجتماع الريفي، الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، علم الاجتماع السياسي وغيرها التي ترجمت من الألمانية إلى لغات متعددة.سنتناول إسهامات فيبر في الفكر الاجتماعي في السطور القادمة.أولاً- تعريف علم الاجتماع :يعرف فيبر علم الاجتماع أنه «ذلك العلم الذي يحاول الوصول إلى فهم تفسيري للفعل الاجتماعي، لكي يتمكن من تقديم تفسير سببي لجراره ونتائجه».ويقصد فيبر بالفعل الاجتماعي أيّ سلوك إنساني يعطيه الفرد معنى، فالفعل يختلف عن النشاط من حيث إن الفعل يتضمن فكرة أو هدف وله معنى، وباختصار فإن فيبر يجعل محور علم الاجتماع يدور حول تفسير الفعل الاجتماعي، أي الوصول إلى المعنى أو القيمة من وراءه، ويذهب تيماشيف إلى أن فيبر جعل «المهمة المتخصصة لعلم الاجتماع هي تفسير السلوك في ضوء المعنى الذاتي، وأن موضوع دراسة هذا العلم هو الظواهر التي يمكن فهمها فهماً ذاتياً» ولا يعني هذا -كما ذهب تيماشيف- أن علم الاجتماع عند فيبر هو في نهاية الأمر فرع من علم النفس، إذ إن فيبر حاول الوصول إلى «المعنى الذاتي» من خلال عمليات الفهم عن طريق التفحص الوجداني أو النموذج المثالي.والحق أن هذا يتفق مع اهتمام فير بمناهج البحث السوسيولوجي؛ لأنه يرى من الصعوبة وضع منهج عام يخدم أغراض الدراسة الاجتماعية، ويصلح أساساً للنظرية الاجتماعية في مختلف الميادين، ذلك لأن العلوم الاجتماعية تختلف عن العلوم الطبيعية في درجة الدقة والضبط وذلك لأن العلوم الاجتماعية عرضة لتدخل إرادة الإنسان وخاضعة لمشاعره.درس فير الأشكال الاجتماعية وردها إلى شكلين أساسيين، وهما: المجتمع العام والمجتمع المحلي، وبالرغم من اعتراف فير بأن هذين الشكلين ليس لهما وجود داخلي قائم بذاته، إلا أنهما يعبران عن اتجاهين أو تيارين يسودان الحياة الاجتماعية، وهما: أ- اتجاه جماعي تسوده أفعال عاطفية ومظاهر سلوك لاشعورية. ب- اتجاه اجتماعي تسوده أفعال ذات غاية عاقلة ومظاهر السلوك التقديري.وقد حلل فير هذين الشكلين، وناقش الدعائم التي تقوم عليهما والظواهر التي تسودهما، كذلك درس الكثير من الموضوعات الاجتماعية،1- السلوك الغائي 2- السلوك اللا شعوري 3- السلوك العاطفي 4- السلوك التقليدي.حلل فير العلاقات الاجتماعية التي تنشأ عن هذه المظاهر المختلفة، وقرر أنه لا ينبغي أن نوسع من نطاق هذا السلوك، بل يجب أن يكون مقصوراً على العلاقات والروابط الاجتماعية التي تنشأ استجابة لنشاط أو سلوك مقابل، ولذلك فليست كل العلاقات الإنسانية علاقات اجتماعية، وهنا استخدم فير نموذجاً مثالياً في تحليل هذه العلاقات حتى نصل إلى مقدماتها الذاتية.هكذا كان فيبر يؤكد أن علم الاجتماع بالرغم من أن موضوعه يجب أن يكون مقصوراً على دراسة العلاقات الاجتماعية في صورها المجردة، إلا أن طبيعة هذه الدراسة تقتضي أن يلم الباحث بالعلوم الاجتماعية الأخرى، وهذا ما فعله حين درس العلاقات المتبادلة بين الظواهر الدينية والظواهر الاقتصادية في فترات تاريخية معينة.ثانياً- مقولة الفهم أداة منهجية لتفسير السلوك:جعل فيبر محور اهتمام علم الاجتماع يركز على فهم المعنى الذي يعبر عنه الفعل الاجتماعي، ويذهب إلى أن الكائنات البشرية تكون على وعي مباشر وإدراك وبناء الأفعال الإنسانية، ففي دراسة الجماعة الاجتماعية - مثلاً - يمكننا أن نفهم "الأفعال والمقاصد الذاتية للفاعلين الذين يمثلون أعضاء الجماعة" أما في العلوم الطبيعية فلا يمكن فهم الظواهر الطبيعية على هذا النحو، فكل ما يستطيع أن يفعله الباحث هو ملاحظة واستنتاج الانتظام القائم بين الظواهر والحركات الطبيعية.وفيبر يعرف الفعل أنه سلوك إنساني - ظاهر أو مستر - يمنحه الفرد الفاعل معنىً ذاتياً، وعلم الاجتماع إذن هو العلم الذي يسعى إلى دراسة الفعل الموجه إلى سلوك الآخرين. ويذهب فيبر إلى أن الفهم على مستوى الفاعل الذاتي يمكن التحقيق منه في صورتين:أ- الأولى تتمثل في الفهم الذي يركز على الملاحظة المباشرة للمعنى الذاتي، فنحن نفهم المعنى من استخدام بندقية لصيد حيوان، ونفهم المعنى الذاتي للأفعال غير العقلية التي تصدر عن إنسان غاضب . وهذه المعاني نستطيع أن ندركها، لأننا على وعي وإدراك بالمقاصد الذاتية التي ترتبط بالأفعال المماثلة التي تصدر عنها.ب- أما الصورة الثانية فهي متمثلة في فهم الدافع أو التسويغ الذي يقدمه الفاعل لسلوكه، وذلك عن طريق ما يسميه فيبر (عملية التفحص الوجداني)فعن طريق المشاركة التعاطفية يمكننا أن نفهم السياق العاطفي الذي أدى بالفاعل إلى سلك مثل هذا السلوك. أو بعبارة أخرى لفهم الفاعل يجب على الباحث أن يضع الفعل في سياق الدوافع، ويكون فهمه لطبيعة هذا السياق ووضع الفعل داخله بمنزلة تفسير للمجرى الحقيقي للسلوك، ولتحليل السلوك وفهم المعنى الذي وراءه يمكننا تخيل الانفعالات التي تظهر بين الناس حين يتعرضون لموقف محدد أو حادث معين، وعلمنا أن تخيل الدافع الذي يكمن وراء الفعل الصادر عن الشخص أو الجماعة، أو علينا بعد ذلك أن نكشف ونحدد غايات الفعل التي ستكشف بدورها عن أن حالة الشعور التي نصف على أساسها فعلاً معيناً تخضع لتوجيه الشعور الذي يفترض ظهوره بظهور موقف محدد أو حدوث حادث معين. وغالباً ما تثار مشكلة مضمونها كيف ربط فيبر بين السببية والمعنى؟ (بيومي،يقرر فيبر أن التفسير السببي للفعل النموذجي يعني أن العملية التي يصل بها الفعل إلى مرحلة النموذجية يجب أن تكون ملائمة لمستوى المعنى، في الوقت الذي يكون فيه التفسير ملائماً من الناحية السببية إلى حد ما. فإذا كانت الملازمة لمستوى المعنى غير متوفرة، فكيف نحدد بطريقة رقمية الدرجة العالية من الانتظام، فضلاً عن درجة الاحتمال. فالملازمة إذن ستمثل احتمالاً إحصائياً غير محدد يصعب فهمه. فمن الصعب إذن الحصول على تفسير سببي، وذلك إما بسبب صعوبة توافر تفسيرات ذات معنى وإما بسبب أن الفاعل قد لا يكون على وعي كامل ببعض ضروب السلوك، كما أن هناك أنواعاً أخرى من السلوك يصبح الفرد فيها عاجزاً عن إدراك المعنى ذاته، أي التي تخضع للعرف والعادات الاجتماعية، أو السلوك الوجداني الذي يخضع للانفعالات الشخصية.ثالثاً- النموذج المثالي :يذهب فيبر إلى أن هناك أنواعاً أخرى من الأفعال والعلاقات الاجتماعية التي لا يمكن التوصل إليها عن طريق المشاركة أو التفحص الوجداني، ولهذا يقتضي دراسة هذه الأنواع من الأفعال والعلاقات بوجود أداة منهجية أطلق عليها فيبر (النموذج المثالي) أو (النموذج الخالص).يعرف فيبر النموذج المثالي أو الخالص أنه تصور عقلي يتشكل من خلال ظهور أو وضوح سمة أو أكثر من صفات وخصائص الأشياء أو الظواهر في مواضع الملاحظة في الحياة الواقعية. أي أن هذا الشكل النموذجي المتصور - والذي يطلق عليه المثالي - هو تصور عقلي قد لا نجد له مثيلاً في الواقع، فالظاهرة التي نضعها في مخيلتنا قد لا يوجد لها نظير فعلي في الحياة. كذلك فإن النموذج المثالي ليس غرضاً، إنما هو أداة أو وسيلة لتحليل الأحداث التاريخية الملموسة والمواقف، وهذا يقتضي أن يكون النموذج المثالي محدداً حتى يمكننا أن نقارن به المواقف الواقعية في الحياة أو الأفعال التي تدرس.وقد أعطانا فيبر أمثلة تطبيقية للنموذج المثالي واستعمالاته، وفي هذا المجال صاغ نموذجاً خالصاً أو مثالياً للفعل العقلي واللاعقلي،وعلى أية حال فإن من الملاحظ أن فيبر يشيد نماذجه باتباع المثالية عن طريق عملية استقرائية جامدة، ولكنه كان يجمع خصائصها المتميزة باتباع استقراء مرن يركز على دراسة مستفيضة للبيانات، ثم يلجأ بعد ذلك إلى اختبار السمات التي تتضمن النماذج المثالية.وقدم لنا فيبر مجموعة من تعريفات النماذج المثالية،أ- العلاقة الاجتماعية، التي تمثل سلوكاً يصدر عن مجموعة من الفاعلين إلى المدى الذي يكون كل فعل من الأفعال قد أخذ في اعتباره المعاني التي تنطوي عليها أفعال الآخرين.ب- الجماعة المنظمة: تمثل علاقة اجتماعية من خلالها يقوم أفراد معينون بمهمة تدعيم النظام في الجماعة. ويطلق على الجماعة المنظمة التي يحكمها نظام معين يمتد فقط بحدودها الإقليمية الشرعية مصطلح (الجماعة الإقليمية المنظمة)، ولكي يخضع أعضاء الجماعة المنظمة إلى ممارسة شرعية ترتكز على ضبط ملزم يطلق على هذه الجماعة مصطلح (الجماعة التي تستند إلى ضبط ملزم). ويطلق على هذه الجماعة مصطلح (الجماعة السياسية) إذا ما قام جهازها الإداري بتدعيم النظام داخل منطقة إقليمية معينة. وتصبح الجماعة السياسية فعالة إذا ما تمكن جهازها الإداري من احتكار الاستخدام الشرعي للعقاب في تدعيم النظام.ومن النماذج الشهيرة التي أقامها فيبر الأنواع الثلاثة للسلطة، فيذهب إلى أن هناك ثلاثة أنماط من السلطة الشرعية، أي أن لكل منها نوعاً معيناً من الادعاء بالشرعية:أ- النوع الأول: هو الذي أسماه بالسلطة العقلانية، ويكون الاعتماد في هذا النوع من السلطة على قواعد معينة يعتقد بها الأفراد. والذي يأتي إلى السلطة استناداً إلى هذه القواعد هو الذي يملك الشرعية في الحكم، وقد تتمثل هذه القواعد بنصوص دستور أو قواعد معينة شرعية يؤمن بها الأفراد. والذي يصل إلى السلطة عن طريق هذه القواعد هو الذي تكون سلطته شرعية، ويذهب فيبر إلى أن السلطة في المجتمع الغربي قائمة على أساس الاقتراب من النموذج العقلي.ب- أما النوع الثاني: فيسميه فيبر بالسلطة الكارزمية، ويعني بها تلك الخصائص غير الطبيعية أو الخارقة التي يحصل وجودها عند فرد ما، سواء كانت هذه الصفات حقيقية أو وهمية. فالسلطة الكارزمية تقوم على أساس وجود شخص يمتلك صفات معينة يعتقد بها الأفراد المحكومين، أي أن الأفراد المحكومين يخضعون لهذا الشخص على أساس اعتقادهم بصفاته الخارقة وقدراته الشخصية، فهناك حيث يوجد ولاء مطلق لقدسية معينة استثنائية لشخص ما.وقد تكون هذه الصفات روحية أو عسكرية أو علمية أو فنية . إلخ أي أن الكارزما هي صفات خارقة يتصف بها شخص ما في أي مجال من مجالات الحياة، والأمثلة التي يقودها فيبر تمثل هذا النوع من السلطة وتشمل الأنبياء والقادة المشهورين، والزعماء السياسيين الناجحين، ويوضح فيبر أنه لما كان هذا النوع من السلطة لا يستند إلى قواعد متفق عليها سواء عن طريق عقلاني أم طريق تقليدي، وإنما يستند على الزعامة المطلقة وصفات الحاكم الخارقة؛ لذا كان هذا النوع من السلطة لا يتسم بالعقلانية، ومن ثم فإن شرعيتها متوقفة على استمرارية وجود هذه الصفات الخارقة،ج- النوع الثالث: هو السلطة التقليدية، وهي التي ترتكز على اعتقاد قدسية التقاليد وشرعية المكانة التي يحتلها أولئك الذين يشغلون الأوضاع الاجتماعية الممثلة للسلطة المستندة إلى التقاليد. فالسلطة الأبوية وسلطة رئيس القبيلة وسلطة الأمير أو الملك على أفراد شعبه تمثل أنواعاً مختلفة للسلطة التقليدية، إذ إن الأساس الذي تستند إليه هذه السلطة هو اعتقاد الأفراد بوجود قواعد معينة لها قدسية أو قوة سحرية معينة، يتعرض المخالف لها لعقاب دنيوي أو روحي. فمن الملاحظ أن هذه النماذج الثلاثة لا تعني عدم إمكانية ظهور أنماط أخرى للسلطة الشرعية. فقد أقر فيبر هذه الإمكانية،الثلاثة أن يصوغ بعض النماذج السوسيولوجية المهمة . ومن ثم كانت هذه النماذج الثلاثة للسلطة ما هي إلا بناءات عقلية، ومن الممكن أن تتضمن بعض أنساق السلطة السياسية أكثر من نمط من أنماط السلطة التي حددتها فيبر.