لا شك أن القارئ قد تنبه إلى أن العنوان أعلاه يشير إلى مؤلفين مشهورين، أحدهما لفالتير بنيامين والآخر لمارتن هايدغر وسنتبين أن هذين العلمين يخيمان بظليهما على الموضوع الذي نعالجه والفكر الذي نحن بصدده، وما ينبغي التأكيد عليه أولا أن الأمر لا يتعلق هنا بقضية ثانوية هامشية، في السياق الذي نحن بصدده بين الهامشي والمركزي. لنقل في صلب انشغالات بلانشو وهذا ما يؤكده هو نفسه: ''إذا دأبنا على القول، وكلهم يأخذون على عاتقهم مهمة تحديد معنى الأدب، فينبغي أن نعد المترجمين أيضا من بين هؤلاء. '' سنتناول مسألة الترجمة عند بلانشو من خلال نصين أساسين: أحدهما نشر ضمن کتاب حصة النار تحت عنوان ''مترجم عن…'' والآخر ضمن الصداقة تحت عنوان ''فعل الترجمة''. كما نعلم هي حاله. وربما لا معنى لها، في التمييز بين ما لبلانشو وما لغيره، وفيما يتعلق بالنص الذي نحن بصدده، بين ما لبلانشو وما لبنيامين. وربما تحدد منهج قراءته. فلا يتعلق الأمر هنا بتجديد القول، وإنما بإعادة القول بكيفية مخالفة. وإنما أن نكرر القول، وأن نقوله كل مرة وكأنه قيل للمرة الأولى. يتعلق الأمر بالضبط بخوض un entretien مع ما سبق أن قيل. في اعتقادي على الأقل، ذلك أن l'entretien كما نعلم، تشير أولا وقبل كل شيء إلى الاحتفاظ والصيانة، أكثر مما تشير إلى الحوار (بل إن ليتري لا يجعلها في قاموسه تعني الحوار إلا عندما تستخدم في صيغة جمع عناوين لبعض الكتب). وبهذا الصدد ربما وجب أن نسجل، توضيحا لموقف بلانشو، فبينما نشعر مع دريدا بنوع من الانتصار على النص المقروء، نلمس عند بلانشو نوعا من التواضع الفكري، ونحس بأن هناك دوما صوتا ما قد تقدمنا، وبأن مسألة الفكر هي خصام عشاق، وبأن الأمر يتعلق أكثر ما يتعلق بالعناية والرعاية اللامتناهية بما تقدم قوله. وإنما أمام الشيء ذاته، هاته الرعاية هي مهمة الفكر، «مهمة المترجم». رعاية ما سبق قوله تعني أولا بلوغ الشيء ذاته الذي قيل بأنحاء متباينة. وليس أي عصيان إنه عصيان الإله. ذلك أن المترجم يزعم إعادة بناء برج بابل أي محاولة ''الارتقاء'' نحو نوع من اللغة الأصلية والكلام الأرقى الذي يكفي التحدث به لقول الحق. بفعل الترجمة، إلى لغة عليا لعلها الانسجام أو الوحدة المتكاملة بين كل تلك الأنحاء. ''إنها ما تفتاً تحيل إليه، وتبديل موطنه وتغيير لغته. وربما كانت هاته خاصية الأعمال الأدبية بما هي كذلك. النصوص التي تكشف فيها اللغة عن تطلعها للخروج عن ذاتها. أو لنقل إنها توظفه. لذلك فلا حياة لهذه النصوص إلا في ترجماتها. إنها تكون في الوقت ذاته ''مثوى حياة لغة ميتة، والابتعاد عن اللغة المكرورة، بهذا الصدد ينبه بلانشو إلى سبب تعلق الأدب الكلاسيكي الفرنسي بالثقافة واللغات القديمة، نشدانا للاغتراب الذي يريد أن يرقى باللغة العادية إلى مكانة اللغة المترجمة : «فنقل عمل أدبي إغريقي أو لاتيني إلى اللغة الفرنسية كان في حد ذاته إنجازا لعمل إبداعي. ففي تمهيده لـ أوديب يأسف كورني لكونه فقد الامتياز في ألا يظل إلا مترجما». بل إن من المحدثين من يذهبون أبعد من ذلك : فالعنوان الذي أعطاه جو بوسكي لعمله مترجم عن الصمت يشكل نوعا من الرغبة التي يطمح إليها أدب يريد أن يظل ترجمة خالصة، ترجمة ليس فيها ما يترجم سعيا للاحتفاظ من اللغة إلا على المسافة الوحيدة التي ترمي اللغة إلى الإبقاء عليها إزاء ذاتها. » ولكنها تشكل ما هو غائب عنها، مخالف لها اختلافا لا ينفك يحصل، ولا ينفك يختفي. وتنزع عنها امتياز الالتباس وعدم الاستقرار الذي يرقى بعدة مؤلفات مترجمة إلى مستوى المؤلفات الرائعة. '' لا يرمي المترجم إذن إلى إلغاء الاختلاف وإنما إلى توظيفه ورعايته. من هذه الزاوية لا ينبغي أن ينظر إلى الترجمة أساسا كعملية لخلق القرابة، وفي هذا الصدد يستعيد بلانشو نصا لأحد المنظرين الألمان يورده بنيامين كذلك. يقول رودولف بانفيتز : ''إن أحسن ترجماتنا الألمانية تنطلق من مبدأ خاطئ، وإنما يضع على كاهله مسؤولية عسيرة لعلها هي المسؤولية الملقاة على كل عمل فكري. فبما أن المترجم ينطلق من أن كل لغة يمكن أن تغدو اللغات جميعها، أي أن يكون راعي الاختلاف، اختلاف لغته مع غيرها من اللغات، لكن أيضا وربما أساسا، وبعد. في قلب الاختلاف تسكن الهوية وفي صميم كل هجرة وتنقل يقطن الاستقرار والعمارة، وفي قلب قوة التفريق وخلق التباعد هناك دوما قوة الضم، وليست قليلة أسماء أولئك المفكرين العظام الذين امتزجت عندهم مهمة إعادة التفكير بإعادة الترجمة، إن لم يكن أقواهم على الإطلاق. وقد أنجزت وهو على عتبة الجنون. لا في نقل النص الإغريقي إلى اللغة الألمانية،