المبحث الثاني:الممارسة الدبلوماسية للمنظمات الدولية: تشغل المنضمات الدولية حيزا مهما وفاعلا على الساحة الدولية وتقوم بأدوار لايمكن تجاهلها من طرف الدول الأعضاء أو من طرف الدول الثالثة[28]، و تمتع المنظمات الدولية بالشخصية القانونية التي يترتب عليها تمتع المنظمات الدولية بالحصانات والامتيازات هو الداعم الأساسي لدفع المنظمات الدولية للعب أدوار طلائعيةسياسيا وقانونيا لتدبير الأزمات الدولية من خلال آلية الدبلوماسية الوقائية(مطلب أول)، إلا أن هذا التدبير غالبا ما يصطدم بمجموعة من المعيقات التي تحد من فعاليته(مطلب ثاني). المطلب الأول:الدبلوماسية الوقائية لمنظمة الامم المتحدة: تعني الدبلوماسية الوقائية بذل الجهود الدبلوماسية من أجل تخفيف التوتر قبل أن يؤدي إلى نشوب الصراع فإذا نشب الصراع تم العمل بسرعة على احتوائه وعلاج أسبابه، يتولى مهام الدبلوماسية الوقائية الأمين العام شخصيا، طريق الوكالات والبرامج المتخصصة أو بواسطة مجلس الأمن أو الجمعية العامة أو المنظمات الإقليمية بالتعاون مع الأمم المتحدة. وتتطلب الدبلوماسية الوقائية اتخاذ تدابير بناء الثقة، المعلومات وتقصي الحقائق بصورة رسمية أو غير رسمية ، لممثلي الأمم المتحدة وفي بعض الحالات إنشاء مناطق منزوعة السلاح. وفي هذا الإطار حاول الأمين السابق للأمم المتحدة بطرس غالي بعث فكرة الدبلوماسية الوقائية لمنع حدوث النزاعات، تقريره المسمى "أجندة السلام"[30]، حيث يرى عدم وجود اللجوء إلى الدبلوماسية بعد اندلاع النزاع، بروز أولى الأسباب المؤدية إليه. الفقرة الأولى:اليات الدبلوماسية الوقائية في حماية السلم والأمن الدوليين: اتجهت الأمم المتحدة منذ بداية التسعينيات إلى تكوين مبادئ ومفاهيم جديدة تتعلق بمعالجة الفوضى والعنف المسلح في المجتمع الدولي، الدبلوماسية الوقائية التي من جملة أهدافها: -اكتشاف النزاعات في وقت مبكر ومحاولة إزالة الخطر. -حل القضايا التي تؤدي إلى اندلاع النزاع من خلال المسارعة بالدخول في عملية السلام. -بناء السلام من خلال بذل الجهود في دعم وتوفير المساعدات الإنسانية. -حصر أسباب النزاع والتدخل لفظه ومنع تجدده مستقبلا. وقد أشارت أجندة السلام إلى جملة من الآليات التي تعتمدها الدبلوماسية الوقائية لتحقيق تعتبر الثقة المتبادلة وحسن النوايا أساسيان في التخفيف من احتمالات اندلاع الصراع بين الدول ويمكن اللجوء إلى تدابير الثقة المتبادلة إذا ما توافرت الإرادة لدى الحكومات المعنية ومن أمثلة هذه التدابير تبادل المعلومات العسكرية بصورة منظمة كتشكيل مراكز إقليمية وشبه إقليمية لتقليل المخاطر ووضع ترتيبات للتدفق الحر للمعلومات بما في ذلك رصد إن إيجاد الحلول للنزاعات يتطلب وجود تفهم للتطورات والاتجاهات الدولية يقوم على تحليل سليم وعلى معرفة آنية ودقيقة للحقائق أي تقصي الحقائق ، لاتخاذ الإجراءات الوقائية المتبادلة وقد يأتي التكليف بتقصي الحقائق من مجلس الأمن أو من الجمعية العامة وقد تختار أي من الهيأتين أن ترسل بعثة تحت سلطتهما المباشرة كما قد يدعوا الأمين العام إلى اتخاذ الخطوات المطلوبة بما في ذلك تعيين مبعوث خاص لجمع المعلومات، التي يمكن على أساسها اتخاذ القرار بمزيد من الإجراءات، أو وجود البعثة في موقع النزاع كثيرا ما يساعد على تهدئة الأوضاع حيث يبين للأطراف أن المنظمة تهتم بالمسألة باعتبارها خطرا قائما أو محتملا يهدد السلام الدولي في بعده الأمني الصرف أو في بعده الإنساني. لقد استحدثت الأمم المتحدة شبكة قيمة من نظم الإنذار المبكر فيما يتعلق بالأخطار البيئية، وخطر وقوع حوادث نووية وكوارث طبيعية وتحركات السكان وخطر حدوث المجاعات تلك المصادر وبين المؤشرات السياسية تبقى ضرورية للوقوف على احتمال وجود خطر 4-التدابير الوقائية والمناطق المنزوعة السلاح: يعني التخطيط لمواجهة الظروف التي تستدعي انتشار هذه العمليات وقائيا وهو ما يمكن على طلب من الحكومة أو من جميع الأطراف المعنيين أو بموافقتهم، الدول يمكن أن يتم مثل هذا الانتشار عندما يشعر الطرفان أن وجود الأمم المتحدة على جانب حدودهما يمكن أن يمنع الأعمال العدوانية. كذلك يمكن أن يتم الانتشار الوقائي عندما يشعر بلد ما أنه مهدد فيطلب وجودا مناسبا للأمم المتحدة على جانبه هو فقط من الحدود وفي كل حالة ينبغي تحديد ولاية وتكوين عناصر وجود الأمم المتحدة بعناية وأن يكون كل ذلك واضحا للجميع أما بالنسبة للمناطق المنزوعة السلاح فقد كان إنشاء هذه المناطق في الماضي يتم بموافقة من عمليات حفظ السلام و ترمز مثل هذه المناطق إلى اهتمام المجتمع الدولي بالحيلولة الفقرة الثانية: النتائج العملية للدبلوماسية الوقائية: تميزت عمليات السلام التي تقوم بها الأمم المتحدة بعد الحرب الباردة بالتنوع والتوسع، وامتدت لتشمل عددا كبيرا من الدول الأفريقية ومناطق عديدة في آسيا وأمريكا اللاتينية، بحيث أصبحت تقوم بمهام لم تكن معهودة من قبل، والتحقق من نزاهتها والقيام بإدارة البلاد مثل ما حدث في كمبوديا حيث أنشأت في 1991 السلطة الانتقالية التابعة للأمم المتحدة ومقرها بنومبتة حيث تكلفت بالإدارة المدنية واتخاذ الترتيبات العسكرية وإعادة اللاجئين وإجراء الانتخابات، سنة 1992 حيث تكلفت الأمم المتحدة بمراقبة إطلاق النار وفصل القوات وجمع الأسلحة وضمان انسحاب القوات الأجنبية ونزع سلاح الجماعات غير النظامية وتقديم المساعدات الإنسانية والإشراف على الانتخابات وهو ما تم بالفعل في نهاية عام 1994. إطار هذه المهام الجديدة الأعمال التي تقوم بها قوات الحماية الدولية بالبوسنة. الإشراف على إجراء الاستفتاء في الصحراء المغربية. ولعل من أهم الأمثلة الحديثة التي بينت نجاح الدبلوماسية الوقائية في حفظ السلم والأمن اليمن حيث حث فيها كل الأطراف للتعامل بطريقة بناءة للوصول إلى حل سلمي للأزمة اليمنية والمطالبة بإزالة كافة الأسلحة من مناطق المظاهرات السلمية والتوقف عن استخدام الأطفال في المشاركة في النزاع المسلح كما يحث جميع الأطرف على عدم استهداف البنية وفي هذا الإطار قام المستشار الخاص للأمين العام باليمن جمال بن عمر مباشرة مشاوراته مع جميع الأطراف والعمل عن كثب مع مجلس التعاون الخليجي ومجلس الأمن على حل اليمينية والمتمثل في تنفيذ انتقال سلمي للسلطة بين الرئيس عبد الله صالح والمعارضة المطلب الثاني:حدود المنظمات الدولية في تدبير النزاعات الدولية: بالرغم من المجهودات التي تقوم بها المنظمات الدولية في عملية حفظ السلم والأمن الدوليين إلا أن هذه المجهودات تصطدم وفي العديد من المجالات بمجموعة من العوامل التي تحد من عملها، الشيء الذي يجعلها محط انتقادات من مجموعة من الجهات. الفقرة الأولى:تأثير العوامل المادية والسياسية على فعالية المنظمات الدولية: إن سير عمل المنظمات الدولية يتطلب موارد متعددة مادية وعسكرية وبشرية، الموارد المالية والمتمثلة في مصادر مالية جد مهمة، عادة أزمات مالية كبيرة وعجز في الميزانية يؤثر بشكل كبير في فعاليتها ولعل أسباب ذلك تكمن في تملص الدول الأعضاء من أداء مستحقاتها أو ربط ذلك الأداء بالتحكم في عمل وقد بلغت الأزمة المالية ذروتها في منتصف الثمانينات عندما تراكمت متأخرات الدول بشكل أصبح يهدد استمرار السير الإداري للمنظمة وفي هذا الوقت بالذات تبنى الكونغرس الأمريكي سنة 1985 ما سمي بتعديل "كاسبوم سولومون" الذي يشير أن السياسة المالية للأمم المتحدة لا تأخذ بعين الاعتبار كما ينبغي وجهات نظر الدول ذات المساهمات الأساسية ونتيجة لذلك فقد تزايدت تحذيرات ونداءات الأمين العام واتخذت تدابير تقشفية صارمة في مجال التوظيف والأسفار والتجهيزات والمؤتمرات والمنشورات سنة 1986[40]. وفي سنة 1993 أعلن الأمين العام للهيأة أن هذه الأخيرة على وشك الاختناق المالي. كما أن المنظمات الدولية تتأثر بالعوامل السياسية والمتمثلة في: أ-غياب الإرادة السياسية المعبر عنها على مستوى الالتزامات سواء بالنسبة للدول المتقدمة أو بالنسبة لتلك التي تعاني شعوبها من كل مظاهر البؤس والتزامات دول الشمال في إطار هيأة الأمم المتحدة بالمساهمة والإشراف على حل مشاكل دول الجنوب، عوائق نابعة من الدول المعنية نفسها، فعالية الأمم المتحدة بما يلي: "خلال العقود الأخيرة انخرطت هيأة الأمم المتحدة في عدد كبير من مبادرات التنمية في إفريقيا إلا أنه وللأسف فأقل ما يمكن أن يقال عن فعاليات هذه المبادرات انه يثور حولها ب-اختلاف المصالح السياسية فالمنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة تعكس أكبر تعارض بين مصالح الدول الشيء الذي يؤثر بشكل كبير على فعاليتها ويجعلها مسخرة لخدمة مصالح القوى الكبرى. الهيأة وتوجهها وهو ما يتضح جليا في الأزمة السورية الراهنة. الفقرة الثانية:فشل الأمم المتحدة في احتواء الأزمة السورية: إن أقل ما يمكن قوله عن الأزمة السورية هو انتكاسة المجتمع الدولي وتلكأ بعض الدول في إبراز إرادة سياسية واضحة للخروج من الأزمة السورية التي تحصد مزيدا من المدنيين و تمثل تعد سافر على حقوق الإنسان وضرب للمواثيق الدولية. فمنذ انطلاقة الأزمة السورية عملت الأمم المتحدة والجامعة العربية على احتواء الأزمة، بمبعوث مشترك "كوفي عنان"، في 2 أبريل 2012، بينما صادق عليها مجلس الأمن في 5 أبريل 2012. لكن القوات السورية استمرت في القصف، وفي هذا الإطار يزيد اختلاف الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، لإدانة سياسة التقتيل التي ينهجها بشار الأسد نحو الشعب السوري، المعاناة الإنسانية للمدنيين في هذا البلد فمعارضة روسيا والصين لاتخاذ أي قرار أممي ضد النظام السوري والتهديد باستعمال حق الفيتو، دون الخوف من رد فعل مجلس الأمن. وأمام هذا الانقسام بمجلس الأمن وقف المجتمع الدولي عاجزا عن اتخاذ أي قرار بشأن الانتهاكات الجسيمة التي يرتكبها النظام السوري في حق المدنيين بسبب التحفظات شعبه الذين يطالبونه بالتنحي والرحيل عن السلطة، إلى ما تحظى به الصين وروسيا من امتيازات عقود التنقيب عن النفط بسوريا، روسيا قاعدة بحرية في هذا البلد ولها مستشارين عسكريين في الجيش السوري. وتفسر هذه الأسباب مجتمعة عودة نظام القوى داخل مجلس الأمن على حساب تدبير دولي معقلن للأزمات الدولية، وتبقى مسألة تدبير الأزمة السورية مسألة تجاذب ليس إلا.