شهد المغرب ديناميات جديدة، ومن المتوقع ان تتسارع وثيرتها في العقود القادمة، بسبب التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم وما يرافقها من تحديات اقتصادية اجتماعية وبيئية. وقد اصبحت المجالات الترابية تتعرض لضغوط متنوعة تقوض قدراتها على مجابهة تيارات العولمة، هناك إجماع على الدور الذي يمكن لهذه المجالات ان تلعبه في السياق العالمي الجديد، وذلك عبر تأهيلها بغية الرفع من تنافسيتها وحمايتها، وهو ما لن يتحقق إلا بحماية وتثمين الموارد الترابية على الصعيد الجهوي. انخرطت المملكة المغربية بإرادة واضحة في إطلاق أوراش إصلاحية وهيكلية كبرى، بهدف كسب رهان التنمية المجالية وترسيخ بناء المسلسل الديموقراطي، بتعاقد اجتماعي وسياسي جديد، يكرس جيلا جديدا من الحقوق وتنظيما مجاليا متقدما، يعتمد اللامركزية الترابية والجهوية المتقدمة كإطار لتحقيق تنمية مندمجة ومتضامنة، وقد شملت هذه الجهود تبني دستور جديد أعاد تحديد أدوار الجهات (2011)، وإصدار القانون التنظيمي للجهات111-14، والميثاق الخاص باللاتمركز الإداري، واصلاح المراكز الجهوية للاستثمار، بالإضافة إلى إنجاز مجموعة من المشاريع المهيكلة الكبرى التي ساهمت في تغيير المجالات. إن تضافر العوامل التاريخية والجغرافية، والانفتاح على العمق الإفريقي سيشكل بوابة ذات بعد جيواستراتيجي لانفتاح المغرب على القارة الإفريقية، التي تشهد بدورها تحولات ديمغرافية واجتماعية واقتصادية عميقة، ومجالا استثماريا خصبا في ميادين متعددة، وتطوير علاقات جيوسياسية متوازنة تدعم التعاون جنوب - جنوب، في إطار معادلة (رابح – رابح). إن التطور الكبير الذي تشهده جهة الداخلة - وادي الذهب سيعزز مكانتها المتميزة وموقعها الجيواستراتيجي كبوابة للمغرب نحو عمقه الإفريقي، وكنقطة وصل بين المملكة وروافدها الإفريقية. وهذا سيجعلها قطبا محوريا أساسيا للتنمية بين المغرب وإفريقيا ومنصة للشراكة الاقتصادية، لا سيما في قطاعات الاقتصادية حيوية مثل الفلاحة والصيد البحري والسياحة والطاقات المتجددة.حظيت الجهة بالتفاتة ملكية سامية تمثلت في بلورة مشروع النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية والشروع في تنفيذه، ويعد هذا المشروع خطوة لترسيخ مكانة المنطقة الريادية ضمن المسار التنموي الوطني، وجعلها قاطرة وقنطرة للعبور التنموي الإقليمي نحو إفريقيا. ويهدف هذا النموذج التنموي الى تحويل الأقاليم الصحراوية إلى قطب اقتصادي قوي، يستند إلى سلسلة من المشاريع التنموية التي من شأنها إحداث نقلة نوعية لتطوير القدرات الاقتصادية والاجتماعية بهذه الأقاليم، وتكون هذه المشاريع مدرة للدخل، وقادرة على خلق الثروة، وتؤمن فرص عمل في قطاعات الفوسفاط والفلاحة والصناعة والسياحة والصيد البحري. أصبح من الضروري بلورة مشروع متجدد لإعداد التراب يأخذ في الحسبان كل السياقات ويوضح أولويات الدولة في جهة الداخلة وادي الذهب. ويتطلب ذلك العمل على تحقيق الانسجام في الأداء العمومي ضمن مشروع ترابي شمولي ومستدام، يرتكز على تشخيص وتخطيط استراتيجي تشاركي يسمح بتعبئة الإمكانات، وتحديد الأولويات بشكل منسجم ومتكامل ومتناسق، بهدف الرفع من إنتاجية المجالات وتنافسيتها، وإعادة المكانة الاجتماعية والاقتصادية والايكولوجية التي جعلت من هذه الأوساط مجالات شكلت بوابة المغرب نحو الصحراء، وأوساطا نموذجية تكيف فيها الإنسان مع البيئة الصعبة. إن استدامة المجالات الترابية وتنافسيتها تستلزم حشد الطاقات والخبرات لمواجهة التغيرات المناخية، وتحسين إدارة المخاطر المتعلقة بالكوارث الطبيعية، فضلا عن الإشكالات المرتبطة بالتخطيط المستدام وبنظام الحكامة عبر بلورة استراتيجيات واضحة المعالم، ووضع خطط وبرامج مدققة لسياسة إعداد التراب الوطني المتجددة.