ثالثًا: التسامح: اصطبغت الحضارة الإسلامية بصبغة التسامح، وتمثل ذلك في"احترام الآخرين وحرياتهم، والاعتراف بالاختلافات بين الأفراد والقبول بها، وتقدير التنوع الثقافي، وعدم رفض ما هو غير معروف"(24).سمة التسامح في الحضارة الإسلامية من نصوص القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، فقد أقرالقرآن الكريم الاختلاف، وبين أن الحكمة منه هي التعارف والتعاون وتبادل المنافع، بغض النظر عنالانتماءات العرقية أو الدينية، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْتَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًاوَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) [الحجرات: 13]، وقال النبي : «بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ»(25).وقد برز هذا المبدأ في أكمل صوره وتجلياته في وثيقة المدينة، وسمة مميزة لها على مر العصور، لِلْمَهُودِ دِينُهُمْ، إلَّا مَنْ ظَلم وأثِم، فَإِنَّهُ لَا يُوتِغُ -أي: لا يُهلك- إلَّا نفسَه وأهلَ بَيْتِهِ، .. وَإِنَّ بَيْنَهُمْ النُّصْحَ وَالنَّصِيحَةَ، أنه لا تسكن كنائسهم، ولا من حيزها، ولا من شيء من أموالهم،م"(27).وثالثة تلك الوثائق: "وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك"، التي وقعها في عاصمة التسامح؛ عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة أبوظبي، بابا الكنيسة الكاثوليكية البابا فرنسيس، لتمثل دستورا حضاريا، ومرجعا عالميا،- الحريةُ حق لكل إنسان؛ والاختلاف في الدين، واللغة؛ حكمة لمشيئة إلهية. والتفاهم، ونشر ثقافة التسامح وقبول الآخر والتعايش بين الناس، التي تدعو إليها الأديان، وتجنب الجدل العقيم،- حماية دور العبادة، والمواثيق والأعراف الدولية (28).وهكذا نجد أن الحضارة الإسلامية قدمت نموذجًا حضاريًّا إنسانيًّا فريدًا،