كانت ثورة الإمام الحسين (ع) صرخة مدوية في وجه الظلم والاستبداد, فخرج الإمام دفاعًا عن الدين الإسلامي الأصيل الذي حاول البعض تحريفه لخدمة مصالحهم الشخصية. لكن الإمام عليه السلام فضّل الشهادة على الذل والخنوع، واختار الموت في سبيل الله والحفاظ على كرامة الإنسان. للحفاظ على الدين، فاستيقظت النفوس على نداء الحق والعدل. وثورة من أجل استعادة الهوية الإسلامية التي حاولت الأنظمة الحاكمة طمسها. نستلهم من ثورة الإمام الحسين عليه السلام القوة والعزيمة لمواجهة الظلم والباطل، فكانت ثورة الإمام الحسين ثورة أبعادها تتجاوز الزمان والمكان، فهي لم تكن مجرد انتفاضة ضد ظلم معين، فهي ثورة عالمية لم يشهد التاريخ مثيلاً لها . المبحث الأوّل: الاتجاه الإصلاحي للثورة قد تجاوزت حدود الزمان والمكان لتشكل رافداً مستمراً للإصلاح في مختلف المجتمعات، وذلك بفضل عمق جذورها وتعدد أبعادها. وممّا يُصدّق هذا القول المدّة التي احتضنت الثورة ومهدّت لها؛ ثمّ إنّ ظرفها وزمن ولادتها جعلها أكثر عمقاً، وقبل هذه المدّة كان لديه عليه السلام وعياً عميقاً بالمعنى الشرعي للثورة، هذه المتابعة هيأت الشعب المسلم للانتقام من النظام ولو بعد حين، ولم تكن الثورات الحديثة سوى امتداد لنهضة قديمة أرسى دعائمها الإمام الحسين عليه السلام. بل كانت ثورة على الظلم والاستبداد، سبقت عصرها بقرون عديدة وألهمت الأجيال المتلاحقة بالثبات على المبادئ والتضحية بالنفس فداء للدين، فالإمام عليه السلام إنما خرج من أجل إصلاح أمته، حاملاً معه تربية النبوة وروح النهضة. وكلماته ومواقفه بوصلة تشير إلى طريق الإصلاح لكل حر شريف. إن ثقافة الثورة الحسينية، بجانب كونها ثقافة مقاومة، لتكون بذلك إصلاحاً شاملاً للدين والمجتمع. ولكن هل هذا المفهوم الإصلاحي قد تعرض للتأويل الخاطئ بمرور الزمن؟ الجواب هو لا. لم يكن بحاجة إلى إصلاح جذري، بل كان بحاجة إلى حمايته من تحريفات السلطة السياسية التي شوهت أبرز ملامحه، يمكننا تحديد مفهوم الإصلاح في الثورة الحسينية بعدة نقاط أساسية، في ضوء السياق التاريخي الذي نشأت فيه والنتائج التي توافرت عليها فيما بعد: 1- الإصلاح الحقيقي هو فهم عميق لأهداف الثورة الحسينية، وهذا الفهم الشامل سيجعل من مفهوم الإصلاح مفهوماً واسعاً وواقعياً، وضمن أكبر وأهم الأهداف التي سعى لها الإمام في ثورته ونادى بها (تثبيت دين الله). وهذا ما تؤكده دعوته الصريحة إلى الله تعالى وليس إلى نفسه. وهما قيمتان ساميتان دافع الإمام الحسين عليه السلام عنهما بدمه. هدفه الحفاظ على هوية الأمة الإسلامية ومنع استمرار الانحراف عن مبادئ الإسلام السمح. 3- كانت إناطة الأدوار إلى أصحابها، متجذرة في المبدأ الشرعي الذي دافع عنه الإمام الحسين عليه السلام. فتماسك الأمة بقادتها مرتبط بتسلم السلطة بالحق الشرعي، كما تجسّد في ثورة الإمام الحسين، إذ قال: «فمَن قَبِلَني بقبول الحق فالله أوْلى بالحق، فحديثه يدلّ على أنّه ترك أمر خلافته لله وحده يحكم بينهم بالحق، كان الإمام عليه السلام يمثل التيار المعارض للحكم الأموي، وقد استند في ذلك إلى الأحاديث النبوية الشريفة التي تدعو إلى الصبر والحكمة في مواجهة الظلم: «إذا بلغ بنو العاص ثلاثين رجلاً اتخذوا دين الله دغلاً، كان الإمام يواجه ضغطًا كبيرًا للسكوت عن هذا الأمر، كان يؤمن بأن الصمت عن هذا الخطر يعتبر خيانة للدين. فقد جسد الإمام الحسين بن علي عليهما السلام أسمى معاني الثورة في نضاله ضد الظلم والفساد الذي مارسته السلطة الأموية. ومنع تنامي تجربتها ونمذجتها على مستوى السلطة الدينية والسياسية في العالم الإسلامي، وتؤكد نجاعة التعاليم الإسلامية في معالجة مشكلات المجتمعات، وذلك تأسياً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يوصي أصحابه بالصبر والحكمة، فقد سعى الإمام الحسين عليه السلام جاهدًا لحماية الدين وتعاليمه من الانحراف، مستندًا إلى مبادئ القرآن والسنة النبوية. وقد حاول أعداء الإمام تشويه صورته وتشويه صورة ثورته، فكان وحيداً أمام جحافل الجور والظلم, ولم يتخذ أي سبيل آخر لتحرير الناس من ضلالتهم، مضافاً إلى ذلك ما قام به من فضائع، النبي محمد صلى الله عليه وآله، ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نُرمى بالحجارة من السماء، ويقتل أولاد النبيين» . لكن فحش يزيد ومعاوية لم يردعهم من أن يفعلوا بمكة ما فعلوه بالمدينة، ورمى الكعبة بالنيران حتى احترقت الكعبة ، وشهد عهد معاوية ويزيد تدهوراً في القيم الدينية، حيث سادت أجواء من الخوف والتردّد. مثلت بارقة أمل في إحياء الدين. فقد أثبت الإمام وأتباعه أن الدين ليس مجرد كلام، إذ يُروى أنّ رجلاً كان يطوف بالكعبة سمع عبد الله بن الزبير يُنادي الإمام ويسرّه بشيء، كما أمر يزيد عمرو بن سعيد في معسكر عظيم في موسم الحج قبل ثورة الإمام أن يُناجز الحسين عليه السلام ويقتله إن تمكّن وإلّا قتله غيلة، أمرهم بقتل الإمام بكلّ وسيلة متاحة حتى لو كان متعلقاً بأستار الكعبة ، ولم يتردد الإمام الحسين عليه السلام لحظة واحدة في مواجهة الظلم والطغيان، فترك مكة وحمل أعباء الهجرة، كل ذلك دفاعاً عن الإسلام وحفاظاً على حرماته وهذه البطولة تجسد بوضوح عمق استدامجه الديني وتفانيه في سبيل الله. فكانت نهضة عاشوراء نهضة لإحياء سُنّة النبي صلى الله عليه وآله والدفاع عنها، ونقلها إلى حيّز التطبيق في حياة المسلمين؛ لأنّ تعاليم النبي صلى الله عليه وآله قد أُهملت آنذاك، المبحث الثاني: الاستشراف في الثورة الحسينية إن الاستشراف الذي اتبعه الإمام الحسين لم يكن مجرد تخمين، وقاله الرسول صلى الله عليه وآله، بالنظر إلى ماهية الاستشراف الذي هو نوع من الفعل الإيجابي . وما شهدناه في الثورة إلا تأكيداً لبصيرة الإمام عليه السلام التي سبقت الحدث. فسيرة الإمام الحسين عليه السلام قبل معركة الطف تزخر بالأمثلة على قدرته على استشراف المستقبل وحكمته العالية. المستندة إلى الأحاديث النبوية التي تنبأت بمقتله، في حين أن صبره وقلب مفهوم الموت إلى حياة يبرز حكمته. ومن أهمّ استشرافاته لموته قول الإمام السجاد عليه السلام: «خرجنا مع الحسين عليه السلام فما نزل منزلاً ولا ارتحل منه إلّا ذكر يحيى بن زكريا وقتله، وقال يوماً: ومن هوان الدنيا على الله أنّ رأس يحيى بن زكريا عليه السلام أُهدي إلى بغيٍّ من بغايا بني إسرائيل» . ويشير النص إلى أن الإمام الحسين عليه السلام، استشرف بشكل واضح واقعة حمل رأسه الشريف على الرماح وطوافه بين المدن. هذا الاستشراف لم يكن بهدف بث الرعب في قلوب أصحابه، بل كان وسيلة لتقويتهم نفسياً وإعدادهم للتضحية, كما أنه أراد أن يبين للعالم مدى جور الظالمين وقسوة قلوبهم، وأن الشهادة في سبيل الحق هي أعلى مقام، كانت في الوقت ذاته توكيداً للكرامة الإنسانية، فإذا خسر الحسين الرهان بقتله، فإنّه كسب في الحقيقة والواقع الرهان عبر رغبته في التضحية والإصرار على تنفيذها، لقد تجسدت الشهادة مع الإمام الحسين عليه السلام كصراع أزلي بين الحق والباطل، فعنّ لي فارسٌ على فرسه، فعلمت أنّها أنفسنا نُعيت إلينا» . قلبت الثورة الحسينية مفاهيمنا عن الموت والقوة، وربما كان هذا الانقلاب في المواقف نتيجة لاستشراف دقيق للأحداث، حيث أدرك الحر الرياحي زيف الأيديولوجيا التي كان يدافع عنها سابقًا. يوسف ويعقوب في النص ثنائية واقعية تحمل معنى إيجابياً للانتظار، منها: إن قصتي يوسف والحسين عليهما السلام هما خير دليل على أن الحق ينتصر مهما طال الزمن، واستشهد الإمام الحسين عليه السلام شهادة عظيمة زادت من مكانته ورسخت قضيته في قلوب المؤمنين وغير المؤمنين. حيث سعت إلى استعادة الهوية الإسلامية الأصيلة التي طمستها أفعال الحكام الفاسدين. بينما تحول الحكام إلى استغلال الدين لتحقيق مصالحهم الشخصية، وأكد البحث أن ثورة الإمام الحسين كانت ثورة إسلامية خالصة، حيث التزم الإمام وأصحابه بتعاليم الإسلام السمحة في جميع مراحل الثورة. وهذا يدل على عمق إيمانهم بقضيتهم وحتمية النصر، حتى لو كان ذلك على حساب أرواحهم.