بعد أن اختار الخليفة العباسي الأول، جاء من بعده أبو جعفر المنصور، فاختار بغداد لتكون حاضرة الخلافة العباسية. رأى أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي الثاني، تدافعوا عليه فكادوا يفتكون به. فبعث بجماعة من أصحابه يبحثون له عن المكان الذي يبني به مدينته الجديدة، فأعجب ببقعة بغداد، فقرر واعتزم أن تكون تلك القرية عاصمة لدولته، آخذا هذا الاسم من قوله تعالى" لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون "١، وكان لأبي جعفر المنصور من الدوافع السياسية والاقتصادية والعسكرية ما جعلته يقدم على بناء بغداد عاصمة لدولته. أما من حيث الدوافع السياسية فقد ابتعد العباسيون عن دمشق لكونها موالية للأمويين، وابتعدوا عن البصرة لكون موقعها ناء في أقصى الجنوب. أما بغداد فكانت مؤسسة جديدة خالصة للعباسيين، واعتماد سياسية تهدف إلى إقامة مجتمع يكون فيه من كافة الأطياف، وأما من حيث الدوافع العسكرية، فمركز دمشق البعيد غربا لا يصلح لأن يكون لدولة تمتد أراضيها من البحر الأبيض المتوسط إلى نهر السند. وأما من حيث الدوافع الاقتصادية، فقد امتاز موقع بغداد بأنه حلقة وصل بين بلاد الشام وبلاد فارس، وموقعه من حيث الناحية الاقتصادية له من الأهمية بمكان، بالإضافة إلى أنها منطقة مزدهرة زراعياً. وأما من حيث الدوافع المناخية، فقد بعث المنصور روادا يختارون له مكانا يبني فيه حاضرته، ويتميز موقع بغداد مناخيا بمميزات، وهو ما يجعل مناخها أفضل من المدن الساحلية. استقطب لبنائها كثيرًا من المهندسين والاختصاصيين والعمال والصناع والحداد. ويعتبر المخطط الذي قام به مبتكرا، فقد جعلها مستديرة تحيط بها أسوار مزدوجة، ووسط المدينة قصر الخليفة، وكان غير مسموح لأحد ركوب الخيل أو غيرها من الدواب داخل المدينة إلا الخليفة. وغلب على تصميم المدينة الطابع الفارسي، حيث فصل بين الخليفة والرعية، و فكرة الاستدارة للمدينة، ولم تزل بغداد حاضرة الخلافة العباسية، فقرر أن يعتزل بجنده في مكان بعيد عن بغداد، فاختار سامراء وهي مدينة تقع شرق نهر دجلة بين بغداد وتكريت. فأحضر لها الصناع والمهندسين من مختلف الديار، كما بنى دورا للدواوين، وأفرد لأصحاب كل تجارة سوقا خاص بهم، فارتفع البنيان فيها وكثرت العمارة. وظل الخلفاء يقيمون بها حتى سنة 276هـ، ثم تحولوا منها إلى بغداد فكان ذلك سببا في سرعة خرابها.