ثانياً: فكرة الطبقات: وهذا العمل كان يتطلب من ابن سلام التعرض للنصوص الأدبية بالتحليل حتى يظهر جمالها الفنى ويعلل قصورها، إلا أنه انصرف إلى الشعراء أنفسهم ذاكراً لهم مايراه جيداً دون أن يذكر أسباب تلك الجودة فى الغالب، و لو نظرنا إلى مصنفه سنجد أنه يشتمل على ١١٤ شاعراً جاء توزيعهم فى الطبقات التالية: ١ ـ طبقات الشعراء الجاهليين: وهى عشرة، فى كل طبقة أربعة شعراء. فى كل طبقة أربعة شعراء. ٣ ـ طبقة أصحاب المراثى: وتضم ثلاثة شعراء وشاعرة ـ الخنساء ـ، وهى المرأة الوحيدة التى أوردها ابن سلام فى طبقاته. قسِّموا على النحو التالى: ب ـ شعراء مكة تسعة. ج ـ شعراء الطائف خمسة. د ـ شعراء البحرين ثلاثة. هـ ـ طبقة شعراء اليهود وتشمل ثمانية شعراء. لأنه لا بد أن يبدأ بذكر أحدهم، يقول: "وليس تَبْدِئَتُنا أحدَهُم فى الكتاب نحكُمُ له، ومع ذلك فإننا نجد ابن سلام ـ فى كثير من الأحيان ـ يوازن بين شعراء الطبقة الواحدة، أو بين شاعر وآخر داخل الطبقة، فيورد رأى العلماء فيهم ويختار من شعرهم ما يؤكد هذا الرأى، ثم يفسر بعض الكلمات الغريبة التى قد ترد فى الشعر ـ وهذا قليل ـ أو يورد آراء علماء اللغة فيها، وفى حالات قليلة يبيِّن رأيه، وشواهد ذلك فى طبقاته كثيرة؛ من ذلك ـ مثلاً ـ ما نراه فى المفاضلة بين شعراء الطبقة الأولى من الجاهليين؛ من ذلك قوله: "أخبرنى يونس بن حبيب: أن علماء البصرة كانوا يقدِّمون امرأ القيس بن حُجْر، وشَبَّه الخَيْل بالعِقْبان والعِصِىِّ، وقَيَّدَ الأوَابد، أما ابن سلام فيرى أن امرأ القيس: "كان أحسن أهل طبقته تشبيهاً، وأحسن الإسلاميين تشبيهاً ذو الرُّمَّة " . وقد اعتمد ابن سلام فى مفاضلته بين الشعراء وتصنيفهم فى طبقات تبين مكانتهم الأدبية ومرتبتهم الشعرية على ثلاثة مقاييس عامة؛ هى: ١ ـ كثرة شعر الشاعر. من ذلك ـ مثلاً ـ ما نراه فى تبرير تأخر منزلة طَرَفَة بن العبد وعَبيد بن الأبرص وعَلْقَمَة بن عَبَدَة وعَدِى بن زيد، إلى الطبقة الرابعة، وإنَّما أخلَّ بهم قلَّة شعرهم بأيدى الرُّواة " . وكذلك قوله فى معرض حديثه عن الطبقة السابعة: "أربعة رَهْط مُحْكِمون مُقِلّون، وفى أشعارهم قِلّةٌ، فذاك الذى أخَّرهم " . وكذلك مقياس تعدد الأغراض الذى يتضح أثره بصورة جلية فى مواضع عديدة من طبقاته، من ذلك ـ مثلاً ـ ما نراه فى تبرير وضع كُثَيِّر عزة فى الطبقة الثانية من فحول الإسلام، وجميل بن مَعْمَر فى الطبقة السادسة؛ وكان جميلٌ صادق الصبابة، وكان كُثَيِّر يتقوَّل، ولم يكن عاشقاً، وأن ابن سلام نفسه كان قد أشار ـ فى مقدمته ـ إلى قضية الإنتحال والوضع فى الشعر، وأن الرواة لعبوا دوراً خطيراً فى الإقلال من شعر شاعر، والإكثار من شعر غيره . لذلك أرى أن أهمية هذين المقياسين تنبع من ارتباطهما بمقياس الجودة، فالشاعر المكثر المجيد مُقدًَّم ـ عند ابن سلام ـ على الشاعر المُقلّ المُجيد، والمُكثر المُجيد المُتعدد الأغراض مُقدَّم على المكثر المجيد الذى لم يَقُل إلاّ فى غرض أو اثنين، أما كثرة الشعر وتنوع أغراضه فإنهما لا يجعلان الموصوف بهما مُقدّماً إذا كان شعره رديئاً. وما هى أسس تلك الجودة حين يقول ـ مثلاً ـ: "كان قُرَاد بن حَنَش من شعراء غطفان، فيَذمُّ ويَحْمَدُ، وله فى ذلك أشعارٌ. وله واحدةٌ رائعةٌ طويلةٌ، لاحقةٌ بأجْودِ الشعر، لو كان شَفَعها بمثلها قدَّمناه على مرتبته " . أو يقرن شاعراً بآخر؟ وما قال فيه العلماء ، وكذلك حين يقول:" ثم إنَّا اقتصرنا ـ بعد الفحص والنظر والرواية عمَّن مضى من أهل العلم ـ إلى رَهط أربعة اجتمعوا على أنهم أشعر العرب طبقة، وسنسوق اختلافهم واتفاقهم، ونسمِّى الأربعة، ونذكر الحجة لكل واحد منهم ". فهو غالباً ما يستقصى آراء العلماء فى منزلة شعراء طبقاته، وأحياناً يناقش تلك الآراء ويبيّن رأيه فيها. منها قوله فى النابغة الجعدى:" كان الأصمعى يمدحه بهذا وينسبه إلى قلة التكلف "، وأحسن أهل الإسلام تشبيهاً ذو الرُّمَّة " . إنما يعنى موافقته على تلك الآراء، أو فلنقل عدم تحفظه عليها، وإلاّ لما وجدناه يخالف ما لا يروقه من تلك الآراء فى مثل قوله: "وكان كُثَيِّر شاعر أهل الحجاز، ولا أحسِب ذلك حقاً " ، ومثل هذه الآراء على قلتها تدلل على إعمال ابن سلام فكره وتقليبه الرأى قبل أن يعتد به ويعتمده . ــ إن السبق والإبداع مقياس هام من مقاييس الحكم بالجودة عند ابن سلام، واتبعه فيها الشعراء " ، كما نراه يبرر وضع الراعى النميرى فى طبقة فحول الإسلاميين الأولى بقوله: "وكان يُقال له فى شعره: كأنه يَعْتَسِفَ الفلاة بغير دليل! أى أنه لا يحتذى شعر شاعرولا يعارضه " . ــ وللمقاييس الفنية العامة أثر واضح فى حكم ابن سلام على الشعر بالجودة، وهى كثيرة متنوعة تتصل بلفظ الشعر؛ أو بلغته؛ ، وهى فى معظمها عامة تحتاج إلى توضيح وتحديد. نجده يقول: "قال لى معاوية بن أبى عمرو بن العلاء: أى البيتين عندك أجودُ؟ قول جرير:" أم قولُ الأخطل: شُمسُ العَدَاوَةِ حتى يُسْتَقَادَ لهم وأعْظَمُ النَّاسِ أحْلاماً إذا قَدَرُوا أو متى يكون الشعر حلواً؟!. ومثله وصف" رقيق حواشى الكلام " ، وكذلك وصف القُطامِى بأنه "رقيق الحواشى، حيث لا نستطيع أن نحدد معايير رقة الحواشى ولا ماهيتها. ومع ذلك فإننا لا نعدم وجود بعض المعايير المحددة الدلالة؛ وشرف المعنى وفخامته . من ذلك ـ مثلاً ـ قوله: "كان ـ امرؤ القيس ـ أحسن أهل طبقته تشبيهاً، وأحسن الإسلاميين تشبيهاً ذو الرُّمَّة " . منها: ثم يفاضل بين تلك القرى وأثرها فى غزارة الانتاج فيقول: "وهى خمسٌ: المدينة، والطائف، واليمامة، والبحرين. وفى موضع آخر نجده يتحدث عن أثر المكان فى تشكيل سمات الشعر ـ خاصة اللغوية ـ، ــ العقيدة: استند ابن سلام إلى العقيدة الدينية حين أفرد لشعراء اليهود طبقة مستقلة اشتملت على ثمانية منهم. كذلك لم يتعرض إلى أثر العقيدة الدينية فى شعرهم ومعانيهم . ــ الأخلاق: كذلك اتضح أثر المعيارالأخلاقى فى حديث ابن سلام عن سمات شعر بعض فحول الجاهلية كامرئ القيس والأعشى، ومنهم من كان يَنْعَى على نفسه ويتعهَّر. منهم امرؤ القيس . ، ومنهم الأعشى " . وكذلك فى موازنته بين الفرزدق وجرير، ويميِّز جريراً عنهم فيقول: "وكان جرير مع إفراطه فى الهجاء يعفُّ عن ذِكر النساء، ــ التشابه: وضع ابن سلام هذا المقياس فى حسبانه وهو يشرع فى تصنيف طبقاته، فقال فى مقدمة كتابه: "فألَّفنا من تشابه شعره منهم إلى نُظَرائه، مُتَكافِئين مُعْتدِلين " ، وقد لاحظنا أثر هذا المعيار فى معظم طبقاته، إضافة إلى ما تجلّى فى موازناته بين بعض شعراء الغرض الواحد من طبقات مختلفة، من ذلك ما يُلاحَظ فى موازنته بين جميل بن مَعْمَر وكُثيِّر عزة فى فن النسيب، وبين جرير والفرزدق فى فن النقائض . وغيرهم، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل رأيناه يفرد طبقة لمن برزوا فى غرض واحد من أغراض الشعر، وهى طبقة أصحاب المراثى . مع أن الاتفاق فى الغرض كان يتطلب من ابن سلام الموازنة بين معانيهم وخصائص شعرهم، ثم المفاضلة بينهم. ومن قبيل التشابه أيضاً؛ ما نراه فى تخصيص الطبقة التاسعة من طبقات فحول الإسلام للحديث عن أربعة من الرُّجَّاز. حيث نراه يستذكر زهير بن أبى سلمى فى أثناء حديثه عن ابنه كعب، واستناداً إلى مقياس التشابه نجده يقرن ذكر جرير وذريته بذكره لزهير، فيقول: "ولم يزل فى ولَدِ زهير شعر. فقال: لك الصَّرَّاف إنه ردئ! فهل ينفعك استحسانُك إيّاهُ؟ ". وكذلك إشارته إلى الأخطاء التى تصدر عن غير المختصين الذين يتصدون للشعر وروايته فى مثل قوله:" وجدنا رواة العِلم يغلطون فى الشعر، " وذكر الشروط الواجب توافرها فى الناقد فشدَّد على أهمية الذوق والاستعداد الفطرى، لا تُعرَف جَوْدتُهما بلونٍ ولا مَسٍّ ولا طِرَازٍ ولا وَسْمٍ ولا صفة، تلك الخاصية الجوهرية التى لاتتسنى للناقد بالتلقين أو التعلم، فتوصف الجاريةُ فيقال: ناصعَةُ اللون، حسنة العين والأنف، جيّدة النُّهُود، ظريفَةُ اللسان، واردة الشَّعَر، فتكون فى هذه الصفة بمئة دينار وبمئتى دينار، وتكون أخرى بألف دينار وأكثر، ويقال للرجل والمرأة فى القراءة والغناء: إنَّه لنَدِى الحَلْق، طَلُّ الصوت،